مقالات الرأي

بين مقابلة الشرع وزيارة ماكرون… هل تعيد فرنسا تموضعها في سوريا؟

إعداد الصحفي: رياض الخطيب

يصعب النظر إلى إعلان قناة BFMTV الفرنسية عن بث مقابلة حصرية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بالتزامن مع الزيارة الرسمية التي يجريها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، باعتباره مجرد تزامن إعلامي. ففي العلاقات الدولية، غالبًا ما تتحول المنصات الإعلامية إلى جزء من المشهد السياسي، وتصبح الرسائل التي تُبث عبرها امتدادًا للرسائل الدبلوماسية، خصوصًا عندما تتزامن مع محطات يُراد لها أن تؤسس لمرحلة جديدة بين دولتين مرت علاقاتهما خلال السنوات الماضية بمنعطفات حادة.

وتكتسب هذه المقابلة أهمية إضافية إذا ما أُخذت في الاعتبار طبيعة الجهة المالكة للقناة. فقد انتقلت BFMTV إلى ملكية رجل الأعمال اللبناني–الفرنسي رودولف سعادة، رئيس مجلس إدارة شركة CMA CGM، ثالث أكبر شركة للنقل البحري في العالم، وهي الشركة التي حافظت على حضورها في سوريا رغم التحولات السياسية المتسارعة.

فقبل أشهر من سقوط النظام السابق، جرى تجديد عقد تشغيل محطة الحاويات في ميناء اللاذقية، ثم أُعيد تثبيت العقد بعد انتقال السلطة، في خطوة عكست رغبة فرنسية واضحة في حماية استثماراتها الاستراتيجية، بمعزل عن طبيعة السلطة الحاكمة في دمشق.

ولا تبدو هذه المعطيات الاقتصادية بعيدة عن السياق السياسي، خاصة أن العلاقة التي تجمع رودولف سعادة بالرئيس إيمانويل ماكرون تُعد من العلاقات المعروفة داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية الفرنسية، ما يمنح أي تقاطع بين الإعلام والسياسة والاقتصاد دلالات تتجاوز المصادفة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق مباشر، بقدر ما يعكس تقاطعًا في المصالح والأولويات.

لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى بدايات عهد ماكرون. فعندما وصل إلى قصر الإليزيه عام 2017، خلفًا للرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند، بدت ملامح مقاربة مختلفة للملف السوري. ففي أول تصريحاته بشأن سوريا، قال إن بشار الأسد “عدو للشعب السوري، لكنه ليس عدوًا لفرنسا”، وهو تصريح شكّل آنذاك تحولًا واضحًا مقارنة بالموقف الذي تبناه هولاند، والذي جعل من رحيل الأسد شرطًا لأي تسوية سياسية.

كان ذلك التحول انعكاسًا لرؤية أكثر براغماتية للسياسة الخارجية الفرنسية، في ظل صعود الاعتبارات الأمنية إلى صدارة الأولويات الأوروبية بعد موجات الهجمات الإرهابية، وتزايد الضغوط الداخلية المرتبطة بملفات الهجرة واللجوء.

كما جاء في سياق سياسي داخلي شهد تنامي حضور اليمين واليمين المتطرف، اللذين دفعا باتجاه مقاربة تمنح الأولوية لمكافحة الإرهاب والاستقرار، أكثر من تركيزها على تغيير الأنظمة.

وعلى امتداد السنوات الماضية، استقرت السياسة الفرنسية تجاه سوريا على مجموعة من الثوابت التي لم تشهد تغيرًا كبيرًا. فقد حافظت باريس على مشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وأبقت على دعمها لـ”قوات سوريا الديمقراطية” باعتبارها شريكًا ميدانيًا في الحرب على التنظيم، كما واصلت تأييد العقوبات الأوروبية المفروضة على النظام السوري، بالتوازي مع دعم عدد من المنظمات الحقوقية والإنسانية العاملة في الملف السوري.

في المقابل، لم تُظهر فرنسا انفتاحًا مماثلًا في الملفات الإنسانية التي تهم السوريين مباشرة. فخلال سنوات اللجوء، بقيت برامج استقبال السوريين محدودة للغاية، ولم تستجب باريس للمطالب المتكررة بزيادة التأشيرات المخصصة للاجئين السوريين في دول الجوار، رغم أن هذه الخطوة كانت ستشكل رسالة إنسانية وسياسية في آن واحد.

اليوم، تبدو المعادلة مختلفة. فسوريا التي كانت فرنسا تتعامل معها قبل سنوات لم تعد هي نفسها، كما أن البيئة الإقليمية والدولية شهدت تحولات دفعت كثيرًا من العواصم إلى مراجعة سياساتها.

وفي هذا السياق، تأتي زيارة ماكرون إلى دمشق بوصفها اختبارًا لإمكانية الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة بناء العلاقات مع الدولة السورية الجديدة.

لكن نجاح هذا التحول لن يُقاس بحجم الاستقبال الرسمي أو بعدد الاتفاقيات التي قد تُوقع، بل بطبيعة الملفات التي ستختار باريس إعادة النظر فيها. وفي مقدمة هذه الملفات موقفها من “قوات سوريا الديمقراطية”، ومدى استعدادها للانتقال من سياسة الشراكات العسكرية المؤقتة إلى دعم مؤسسات الدولة السورية ووحدة أراضيها، فضلًا عن مقاربتها لملف الأقليات، بما يضمن حماية الحقوق ضمن إطار الدولة، بعيدًا عن أي اصطفافات سياسية قد تُفسر على أنها تدخل في الشؤون الداخلية.

في المقابل، تدرك فرنسا أن مصالحها الاقتصادية في سوريا مرشحة للتوسع خلال مرحلة إعادة الإعمار، وأن وجود شركات كبرى مثل CMA CGM يمنحها أفضلية نسبية إذا ما نجحت في بناء علاقة مستقرة مع دمشق.

كما تدرك أن استقرار سوريا بات يرتبط مباشرة بجملة من الملفات التي تمس الأمن الأوروبي، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، وتأمين طرق التجارة والطاقة في شرق المتوسط.

من هنا، تبدو مقابلة الرئيس أحمد الشرع على شاشة BFMTV، بالتزامن مع زيارة الرئيس ماكرون، جزءًا من مشهد سياسي أوسع، عنوانه البحث عن صيغة جديدة للعلاقات السورية–الفرنسية. غير أن نجاح هذه الصيغة سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز إرث السنوات الماضية، وباستعداد باريس للتعامل مع سوريا الجديدة وفق معادلة تقوم على احترام سيادتها ووحدة أراضيها، لا على استمرار المقاربات التي فرضتها ظروف الحرب.

وربما يكون من المبكر الحديث عن تحول استراتيجي كامل في الموقف الفرنسي، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن باريس بدأت تدرك أن سوريا ما بعد الحرب تختلف عن سوريا التي صاغت تجاهها سياساتها منذ عام 2011، وأن المصالح، كما هي الحال في العلاقات الدولية، كثيرًا ما تكون المحرك الأكثر ثباتًا من المواقف السياسية نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى