مقالات الرأي

بين التصعيد الإسرائيلي وتحولات المنطقة… ماذا يُقرأ في المشهد السوري اليوم؟

بقلم الصحفي: رياض الخطيب

أعاد تصريح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، الذي تحدث فيه عن احتمال اندلاع مواجهة مع سوريا، فتح باب النقاش حول طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة وحول الرسائل التي تحاول تل أبيب إيصالها في هذا التوقيت تحديداً. فالسياسة لا تعرف المصادفات، والتصريحات التي تتعلق بالحروب أو احتمالاتها لا تُطلق عادة خارج سياق حسابات دقيقة ترتبط بموازين القوى والتحولات الجارية على الأرض.

من الصعب النظر إلى هذا التصريح باعتباره مجرد توقع أو قراءة شخصية لمسؤول إسرائيلي، بل يبدو أقرب إلى رسالة سياسية تعكس حالة من القلق تجاه مسارات تتشكل في المنطقة بصورة متسارعة. فخلال السنوات الماضية بنت إسرائيل جزءاً مهماً من استراتيجيتها على فرض واقع أمني جديد في الشرق الأوسط يحد من نفوذ خصومها ويمنحها هامشاً أوسع للحركة، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن نتائج الصراعات التي شهدتها المنطقة لم تُنتج بالضرورة المشهد الذي كانت تتطلع إليه تل أبيب.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة التصعيد الكلامي الإسرائيلي على أنه محاولة لإعادة فرض الضغوط على أكثر من جبهة في وقت واحد، خاصة أن سوريا بدأت تدخل مرحلة مختلفة عنوانها تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة دورها السياسي والإقليمي بشكل تدريجي. وهذا التحول بطبيعته يثير اهتمام القوى الإقليمية والدولية التي تدرك أن شكل سوريا الجديدة سيكون له تأثير مباشر على توازنات المنطقة خلال السنوات القادمة.

اللافت في المشهد الحالي أن المنطقة بأكملها تعيش حالة إعادة تموضع سياسي واستراتيجي. فالحرب في أوكرانيا ما زالت تلقي بظلالها على العلاقات الدولية، والصراع بين روسيا والغرب يتخذ أشكالاً متعددة تتجاوز حدود أوروبا، فيما تحاول القوى الإقليمية إعادة ترتيب مواقعها بما يتناسب مع الواقع الجديد الذي يتشكل بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة تصبح سوريا جزءاً من لوحة أكبر تتداخل فيها المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية بصورة يصعب معها فصل أي حدث محلي عن سياقه الأوسع.

ومن هنا يمكن فهم الكثير من الرسائل التي تحملها التصريحات الإسرائيلية الأخيرة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالعلاقة مع سوريا، بل ترتبط أيضاً بمستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة وبالحدود التي تستطيع إسرائيل من خلالها التأثير في المسارات السياسية والعسكرية الجارية. كما أن هذه التصريحات قد تعكس رغبة في إبقاء حالة التوتر قائمة ومنع الوصول إلى استقرار كامل قد يفرض وقائع جديدة لا تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي.

وفي المقابل، فإن القراءة الهادئة للمشهد لا تشير بالضرورة إلى اقتراب حرب شاملة، لأن الظروف الحالية تجعل كلفة أي مواجهة واسعة مرتفعة على جميع الأطراف. فالإقليم خرج من سنوات طويلة من الصراعات المفتوحة، والفاعلون الرئيسيون يدركون أن الدخول في حرب جديدة يحمل مخاطر يصعب التحكم بنتائجها. لذلك يبدو أن أدوات الضغط السياسي والأمني والإعلامي ستبقى الخيار الأكثر حضوراً خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار محاولات التأثير في اتجاهات الأحداث دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق.وربما يكون الاستنتاج الأهم في هذه المرحلة أن الصراع في المنطقة لم ينتهِ فعلياً، بل انتقل من شكل إلى آخر. فالمعارك العسكرية الكبرى قد تتراجع، لكن معارك النفوذ والتأثير وإعادة رسم خرائط المصالح ما زالت مستمرة بأدوات مختلفة وأساليب أكثر تعقيداً.

وفي قلب هذه التحولات تقف سوريا أمام تحدي تثبيت الاستقرار الداخلي وتحويله إلى عنصر قوة يحصّن البلاد من محاولات الاستنزاف والضغط التي قد تتزايد كلما اقتربت المنطقة من مرحلة إعادة تشكيل نهائية لتوازناتها.

لذلك فإن ما يجري اليوم قد لا يكون مقدمة لحرب بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو انعكاس لصراع إرادات يدور حول مستقبل المنطقة وموقع كل طرف فيها. وبين التصريحات السياسية والتحركات الميدانية تبقى الحقيقة الأبرز أن الشرق الأوسط ما زال يعيش مخاضاً سياسياً كبيراً لم تستقر نتائجه بعد، وأن سوريا ستكون إحدى الساحات الرئيسية التي ستنعكس عليها مخرجات هذا التحول، سواء من حيث الفرص أو من حيث التحديات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى