التقارير الإخباريةمحلي

العدالة والاستقرار… شراكة البناء الوطني

في مدينة لاهاي، حيث تتجسد رمزية العدالة الدولية، وتتجاور مؤسسات القانون في مشهد يعكس المكانة المحورية للعدالة في بناء المجتمعات واستقرار الدول، انعقد المؤتمر الدولي في قصر السلام تحت عنوان: «العدالة أولاً… ثم يتبعها الاستقرار»، في محطة حملت دلالات سياسية وقانونية عميقة، ولا سيما مع مشاركة الجمهورية العربية السورية في افتتاح أعمال المؤتمر، وما تمثله تجربتها الراهنة من أهمية متزايدة في النقاشات الحقوقية والقانونية الدولية.

وقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن تغييب العدالة تحت ذرائع الحفاظ على الاستقرار لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إنتاج استقرار هش ومؤقت، سرعان ما يتحول إلى أزمات وصراعات ممتدة. وفي المقابل، أكدت النقاشات التي شهدها المؤتمر أن العدالة ليست ترفاً سياسياً ولا شعاراً مؤجلاً، بل تمثل الأساس الحقيقي لاستقرار الدول والمجتمعات، والضمانة الأهم لحماية الإنسان، وصون كرامته، وتعزيز الثقة بالمؤسسات.

ومن هنا، فإن المقاربة الصحيحة لا تقوم على وضع العدالة والاستقرار في حالة تعارض، وكأن أحدهما نقيض للآخر؛ فالعدالة من دون استقرار تبقى محدودة القدرة على تحقيق أهدافها وترسيخ آثارها، كما أن الاستقرار الذي لا يستند إلى عدالة حقيقية يظل عرضة للاهتزاز عند أول تحدٍّ جدي.

إن العلاقة بين العدالة والاستقرار ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل عضوي؛ فكل تقدم في مسار العدالة يعزز الاستقرار، وكل حالة استقرار حقيقي تفتح المجال أمام ترسيخ العدالة وتوسيع حضورها في مؤسسات الدولة والمجتمع. ولذلك، فإن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر هذا التوازن الدقيق بين حماية المجتمع، وصون الحقوق، وترسيخ سيادة القانون.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب بوصفه ركناً أساسياً من أركان العدالة، ليس بمنطق الانتقام، وإنما في إطار حماية المجتمع، وإنصاف الضحايا، وترسيخ الثقة بسيادة القانون. فالعدالة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالحقوق، وصون كرامة الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، بما يفتح الطريق أمام التعافي الوطني والمصالحة المجتمعية المستدامة.

ومن هذا المنطلق، تحظى التجربة السورية باهتمام متزايد، بالنظر إلى ما تحقق خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، رغم التحديات الكبيرة والإرث الثقيل والإمكانات المحدودة. فقد انطلق مسار العدالة في سورية على أكثر من مستوى، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن بناء العدالة ليس إجراءً عابراً، بل مسار طويل يحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات فاعلة، وعمل تراكمي مسؤول.

كما تستند المقاربة السورية إلى معايير واضحة تراعي خصوصية الواقع الوطني، وتركيبة المجتمع السوري بتنوعه الثقافي والاجتماعي، انطلاقاً من أن استقرار المجتمعات لا يتحقق عبر حلول جامدة أو مستوردة، وإنما عبر مقاربات واقعية ومتوازنة تراعي حقوق الأفراد وتحافظ في الوقت ذاته على وحدة المجتمع وتماسك الدولة.

وفي صلب هذا المسار، يبرز إصلاح السلطة القضائية وتعزيز استقلالها باعتبارهما من أهم الضمانات لترسيخ العدالة وبناء الثقة العامة بالمؤسسات. فالقضاء المستقل والنزيه يشكل الحصن الأساسي لحماية الحقوق والحريات، وضمان المساواة أمام القانون، وترسيخ مبدأ سيادة القانون وفق أحكام الدستور والقانون.

كما أن تطوير البنية القضائية، وتحديث التشريعات، ورفع كفاءة الكوادر القضائية، تمثل جميعها خطوات ضرورية لبناء منظومة عدلية عصرية تضع الإنسان وكرامته وحقه في الإنصاف في صلب أولوياتها. فالإصلاح القضائي لا يقتصر على تحديث الإجراءات والمؤسسات، بل يمتد إلى ترسيخ الثقة بالقضاء، وضمان حماية الحقوق والحريات، وتعزيز الأمان القانوني بما يدعم استقرار المجتمع وتماسك الدولة.

إن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة مهمة على طريق التعافي الوطني، ويفتح الباب أمام ترميم الثقة المجتمعية، ومعالجة الجراح العميقة التي خلفتها سنوات الحرب، بما يعزز وحدة المجتمع وتماسك مؤسسات الدولة.

وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية نشر الوعي القانوني والحقوقي، وتعزيز دور المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والثقافية في ترسيخ ثقافة الحقوق والمسؤوليات، بعيداً عن خطاب الإثارة والانفعال، وباتجاه نقاشات هادئة ومسؤولة تضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أخرى.

فالمجتمعات لا تُبنى بالصخب، وإنما بالحوار الرصين، وإفساح المجال لأصحاب الكفاءة والخبرة للمساهمة في إدارة النقاش العام وصناعة الحلول. كما أن احترام القانون يبقى حجر الأساس في بناء الدولة، شريطة أن يبقى القانون إطاراً لتحقيق العدالة، وصون الاستقرار، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن سورية اليوم تمضي في ترسيخ نموذج يقوم على التوازن بين العدالة والاستقرار، باعتبارهما مسارين متلازمين لا يمكن الفصل بينهما.

فاستقرار الدول لا يُصان بالقوة وحدها، بل بالعدل، كما أن العدالة الحقيقية لا تزدهر إلا في ظل دولة مستقرة وقادرة ومتماسكة، تضع الإنسان وكرامته وحقوقه في صلب أولوياتها الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى