ماذا قالت دمشق للبنان عبر شاشة المشهد؟

بقلم الصحفية: ربال الجبلي
دمشق: 23 – يونيو – 2026
جاء اللقاء الحصري الذي أجراه السيد أحمد الشرع مع قناة المشهد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع التحولات السياسية والأمنية في المنطقة مع أسئلة كبرى حول شكل العلاقات السورية اللبنانية في المرحلة المقبلة. ولم يكن ما قيل في المقابلة مجرد إجابات على أسئلة إعلامية، بقدر ما بدا إعلاناً سياسياً واضحاً عن ملامح المقاربة السورية الجديدة تجاه لبنان، ورسالة موجهة إلى الداخل اللبناني والعربي والدولي في آن واحد.
أولى الرسائل التي حملها اللقاء تمثلت في وضع حد للكثير من التأويلات التي رافقت بعض التصريحات الدولية بشأن مستقبل سلاح حزب الله ودور سوريا المحتمل في هذا الملف. فقد أكد الشرع بشكل واضح أن سوريا لا تفكر بأي تدخل عسكري داخل الأراضي اللبنانية، وأنها لا ترى نفسها طرفاً في أي مشروع لفرض حلول بالقوة أو نزع سلاح أي جهة لبنانية عبر العمل العسكري. بهذا الموقف، أغلقت دمشق الباب أمام محاولات الزج بها في صراعات جديدة، وأكدت أن أولوياتها الوطنية تتجه في مسار مختلف تماماً.
الرسالة الثانية كانت ذات بعد سياسي واجتماعي عميق، وتتعلق بالمكون الشيعي في لبنان. فبينما تشهد المنطقة اصطفافات حادة وخطابات إقصائية في بعض الأحيان، اختار الشرع التأكيد على ضرورة عدم تهميش أي مكون لبناني أو عزله عن الحياة السياسية والوطنية. هذا الموقف لا يعكس فقط رؤية تتعلق بلبنان، بل يعبر أيضاً عن فهم لطبيعة المجتمعات المتنوعة في المنطقة، حيث أثبتت التجارب أن سياسات الإقصاء لا تنتج استقراراً، وأن الحلول المستدامة لا يمكن أن تقوم إلا على الشراكة والحوار والاعتراف المتبادل بين مختلف المكونات.
وفي جانب آخر من المقابلة، برز الاقتصاد بوصفه العنوان الأهم للمرحلة المقبلة. فبعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات، تبدو دمشق وكأنها تعلن انتقالها من مرحلة المواجهة إلى مرحلة البناء. الحديث عن التنمية والاستثمار وإعادة الإعمار والربط التجاري الإقليمي لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس توجهاً استراتيجياً يرى أن مستقبل المنطقة يصنعه الاقتصاد أكثر مما تصنعه البنادق. ومن هذا المنطلق، فإن لبنان ليس خارج هذه الرؤية، بل يمكن أن يكون شريكاً أساسياً فيها، خاصة في ملفات الطاقة والكهرباء والتبادل التجاري وإعادة تنشيط خطوط النقل والتعاون الاقتصادي بين البلدين.
كما حمل اللقاء رسالة قوة لا تقل أهمية عن الرسائل الأخرى. فالشرع لم يتحدث من موقع العجز أو التردد، بل من موقع الدولة الواثقة من نفسها والقادرة على حماية مصالحها وسيادتها. غير أن هذه القوة، بحسب ما عكسته المقابلة، لا تُترجم إلى نزعة تدخلية أو مشاريع نفوذ، وإنما إلى قدرة على اتخاذ قرار سياسي مستقل يضع مصالح الشعوب فوق حسابات الصراع. وهنا تبرز أهمية التأكيد على أن سوريا، رغم امتلاكها عناصر القوة، اختارت طريق التعاون والدعم الإيجابي تجاه لبنان، لا طريق الإملاءات أو التدخلات.
أما الرسالة الأبرز والأكثر رمزية، فتمثلت في الحديث عن انتهاء مرحلة الوصاية الأمنية التي طبعت جزءاً من تاريخ العلاقات السورية اللبنانية.
لقد أراد الشرع أن يقول إن الزمن تغير، وإن سوريا الجديدة تنظر إلى لبنان بوصفه دولة شقيقة مستقلة، تربطها بها علاقات جوار ومصالح مشتركة واحترام متبادل، لا علاقات هيمنة أو تبعية. وهذا التحول، إن ترسخ عملياً، يمكن أن يؤسس لمرحلة مختلفة في تاريخ البلدين، تقوم على التعاون المتوازن بدلاً من الإرث الثقيل الذي حملته العقود السابقة.
ولعل ما لفت الانتباه بعد المقابلة هو حجم التفاعل الإيجابي الذي أبداه كثير من اللبنانيين عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر عدد كبير منهم أن رفض التدخل العسكري في لبنان يمثل موقفاً مسؤولاً يساهم في تهدئة المخاوف وفتح الباب أمام مقاربات أكثر عقلانية لمعالجة الأزمات القائمة. فالشعوب التي أنهكتها الحروب لم تعد تبحث عن جبهات جديدة، بل عن فرص للاستقرار والتنمية والحياة الكريمة.
في المحصلة، لم يكن لقاء أحمد الشرع مجرد حديث سياسي عابر، بل بدا أقرب إلى إعلان رؤية جديدة للعلاقة بين دمشق وبيروت. رؤية تقوم على احترام السيادة، ورفض التدخل العسكري، والتمسك بالحوار، وتقديم الاقتصاد والتنمية على منطق الصراع. وهي رسائل تعكس إدراكاً بأن المنطقة تقف اليوم أمام فرصة لإعادة بناء علاقاتها على أسس مختلفة، وأن المستقبل قد يكون أكثر أمناً واستقراراً عندما تتقدم لغة المصالح المشتركة على لغة المواجهات المفتوحة.
إن ما قالته دمشق عبر شاشة المشهد يمكن اختصاره بجملة واحدة: سوريا تريد للبنان أن يكون شريكاً في الاستقرار والتنمية، لا ساحة جديدة للصراعات والحروب.



