سوريا تختنق بلا وقود… أزمة المحروقات تشلّ البلاد وتضع الاقتصاد على حافة الاختناق

إعداد الصحفي : رياض الخطيب
سوريا: 9-يوليو- 2026
في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية، لم تعد المحروقات مجرد سلعة أساسية لتشغيل المركبات أو تسيير عجلة الإنتاج، بل أصبحت شريان الحياة الذي تتوقف عليه معظم القطاعات الخدمية والاقتصادية.
واليوم، تجد سوريا نفسها أمام واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا منذ سنوات، بعدما تحولت أزمة فقدان البنزين والمازوت إلى مشهد يومي يطغى على حياة السوريين، ويهدد بتعطيل ما تبقى من النشاط الاقتصادي والخدمي.
الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، الحافلات المتوقفة، الموظفون العالقون في مواقف النقل، الطلاب الذين يتأخرون عن جامعاتهم ومدارسهم، والمولدات التي أطفئت بسبب نفاد المازوت… كلها مشاهد أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في معظم المدن السورية، في وقت تؤكد فيه الجهات الرسمية أن الأزمة “مؤقتة”، بينما يرى المواطن أن تداعياتها أصبحت أعمق من أن توصف بأنها أزمة عابرة.
وبين التصريحات الرسمية التي تتحدث عن اختناقات لوجستية مؤقتة، والواقع الذي يفرض نفسه على الأرض، تتكشف أزمة تمس الاقتصاد الوطني بأكمله، وتضع ملايين السوريين أمام تحديات معيشية جديدة، في وقت لم يتعاف فيه الاقتصاد بعد من آثار سنوات الصراع.
أزمة تجاوزت محطات الوقود
لم تعد أزمة المحروقات في سوريا مجرد نقص في مادتي البنزين والمازوت، بل تحولت إلى أزمة وطنية تمس جميع مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فمنذ أسابيع تشهد معظم المحافظات السورية تراجعًا ملحوظًا في توافر الوقود، ما أدى إلى ازدحام غير مسبوق أمام محطات التعبئة، وتوقف عدد كبير من المركبات الخاصة والعامة، وعودة السوق السوداء بقوة.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن الأزمة امتدت إلى مختلف القطاعات، من النقل والزراعة والصناعة وصولًا إلى التعليم والخدمات العامة، الأمر الذي جعل الوقود اليوم أحد أبرز التحديات التي تواجه المواطن السوري.
وتعد المحروقات الركيزة الأساسية للاقتصاد السوري، إذ تعتمد عليها وسائل النقل، والقطاع الزراعي، والمصانع، والمشافي، والمؤسسات الخدمية، إضافة إلى مولدات الديزل التي أصبحت المصدر الرئيسي للكهرباء في غالبية المدن والبلدات السورية، نتيجة استمرار محدودية التغذية الكهربائية من الشبكة العامة.
وزارة الطاقة: “اختناق مؤقت”… لكن الطوابير مستمرة
في أول تعليق رسمي على الأزمة، أكدت وزارة الطاقة السورية أن ما يحدث في محطات الوقود هو “اختناق مؤقت في عمليات التزود وليس نقصًا في المشتقات النفطية”، موضحة أن المخزون التشغيلي والاستراتيجي ما يزال متوافرًا، وأن عمليات نقل وتوزيع المحروقات مستمرة وفق الخطط الموضوعة.
كما أوضحت الوزارة أن سبب الازدحام يعود إلى تغير مفاجئ في سلوك السوق بعد انتشار شائعات حول أسعار المحروقات، ما أدى إلى ارتفاع الطلب بصورة كبيرة، مشيرة إلى أن الاستهلاك قفز في إحدى الفترات بأكثر من 300% مقارنة بالمعدل الطبيعي، وهو ما تسبب في ضغط كبير على محطات الوقود.
وأضافت الوزارة أنها كثفت عمليات التوريد إلى المحافظات، داعية المواطنين إلى عدم التهافت على شراء الوقود، مؤكدة أن الأزمة ستتراجع تدريجيًا مع وصول الكميات الجديدة.
ورغم هذه التصريحات، فإن المشهد على الأرض بقي مختلفًا؛ إذ استمرت الطوابير أمام محطات الوقود في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وطرطوس وغيرها من المحافظات، فيما أغلقت بعض المحطات أبوابها بعد نفاد مخزونها، واضطر المواطنون إلى الانتظار لساعات للحصول على كميات محدودة من البنزين أو المازوت.
النقل العام… أول ضحايا الأزمة
كان قطاع النقل العام الأكثر تأثرًا بفقدان المحروقات، إذ اضطرت أعداد كبيرة من الحافلات والسرافيس إلى تقليص رحلاتها أو التوقف عن العمل بسبب عدم توفر الوقود.
وأدى ذلك إلى ازدحام كبير في مواقف النقل، وارتفاع أجور المواصلات، بينما وجد آلاف الموظفين والطلاب أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى أماكن عملهم أو جامعاتهم ومدارسهم في الوقت المحدد.
وفي عدد من المدن، اضطر مواطنون إلى السير لمسافات طويلة أو استخدام وسائل نقل بديلة أكثر كلفة.
الاقتصاد يدفع الثمن
انعكست أزمة المحروقات بصورة مباشرة على الاقتصاد السوري، حيث اضطرت مئات الورش والمعامل الصغيرة والمتوسطة إلى تخفيض ساعات العمل أو إيقاف بعض خطوط الإنتاج نتيجة نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل.
كما ارتفعت أسعار معظم السلع في الأسواق بسبب زيادة تكاليف النقل والشحن، الأمر الذي زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين، خاصة أصحاب الدخل المحدود.
أما القطاع الزراعي، فقد تأثر بصورة كبيرة نتيجة اعتماد المزارعين على المازوت في تشغيل مضخات الري والجرارات الزراعية، وهو ما رفع تكاليف الإنتاج وأثار مخاوف من انخفاض الإنتاج الزراعي خلال المواسم المقبلة.
ويرى خبراء اقتصاد أن استمرار اضطراب إمدادات الوقود يهدد بإبطاء النشاط الاقتصادي وزيادة معدلات التضخم، كما يقلل من قدرة المنشآت الصناعية والزراعية على الاستمرار بالإنتاج، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار وفرص العمل.
المولدات… شريان الكهرباء المهدد
في ظل استمرار محدودية التغذية الكهربائية، أصبحت مولدات الديزل المصدر الرئيسي للكهرباء في معظم المدن والبلدات السورية، سواء للأحياء السكنية أو الأسواق أو المشافي أو المنشآت الصناعية.
لكن مع فقدان مادة المازوت، اضطرت العديد من هذه المولدات إلى تقليص ساعات التشغيل أو التوقف بشكل كامل، ما أدى إلى زيادة ساعات انقطاع الكهرباء، وتعطل أعمال تجارية وصناعية، وارتفاع كلفة الكهرباء البديلة على المواطنين.
ويؤكد أصحاب محال تجارية أن استمرار نقص المازوت يهدد بإغلاق أعمالهم، خاصة أن معظم الأنشطة الاقتصادية أصبحت تعتمد على الكهرباء المولدة بالديزل أكثر من اعتمادها على الشبكة العامة.
حتى أعضاء مجلس الشعب لم يسلموا من الأزمة
وفي مشهد يعكس حجم الأزمة، نشر عضو مجلس الشعب السوري الدكتور مؤيد قبتور عبر صفحته على موقع “فيسبوك” شكوى أوضح فيها أنه لم يتمكن من تأمين الوقود لسيارته الخاصة من أجل حضور إحدى جلسات مجلس الشعب، مما جعله يضطر لا استعارة سيارة صديقه الممتلئة بالوقود، في رسالة أثارت تفاعلًا واسعًا واعتبرها كثيرون دليلًا على أن أزمة المحروقات لم تعد تقتصر على المواطنين، بل امتدت إلى مختلف شرائح المجتمع.
السوق السوداء تعود من جديد
ومع استمرار نقص المحروقات، عادت السوق السوداء إلى النشاط بقوة، حيث تباع مادتا البنزين والمازوت بأسعار تفوق السعر الرسمي بأضعاف، مستغلة حاجة المواطنين وأصحاب الأعمال إلى الوقود.
ويرى اقتصاديون أن ازدهار السوق السوداء لا يؤدي فقط إلى زيادة الأعباء المالية، بل يخلق حالة من عدم العدالة في توزيع الموارد، ويقوض الجهود الرامية إلى ضبط الأسواق.
تعكس المؤشرات الاقتصادية حجم الضغوط التي تواجهها سوريا في ظل أزمة المحروقات:
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الوقود يضاعف من الأعباء المعيشية.
وأكدت وزارة الطاقة أن الطلب على المحروقات ارتفع في إحدى الفترات بأكثر من 300% مقارنة بالمعدل الطبيعي، نتيجة الإقبال الكثيف على التزود بالوقود.
يعتمد جزء كبير من النشاط الاقتصادي والخدمي في المدن السورية على مولدات الديزل بسبب محدودية ساعات التغذية الكهربائية من الشبكة العامة.
يرى مختصون أن الحلول الإسعافية وحدها لن تكون كافية لإنهاء الأزمة، وأن معالجة ملف المحروقات تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين إدارة المخزون، وإعادة تأهيل البنية التحتية لقطاع الطاقة، وتعزيز الرقابة على توزيع الوقود للحد من السوق السوداء.
كما يؤكد خبراء الاقتصاد أن استقرار قطاع الطاقة يمثل شرطًا أساسيًا لاستعادة النشاط الاقتصادي، إذ لا يمكن للصناعة أو الزراعة أو التجارة أن تحقق أي تعافٍ حقيقي في ظل استمرار نقص الوقود.
لم تعد أزمة المحروقات في سوريا أزمة وقود فحسب، بل أصبحت أزمة اقتصاد، وخدمات، وتعليم، وصحة، ونقل، وكهرباء، تمس كل بيت سوري.
وبينما تتحدث الجهات الرسمية عن أزمة مؤقتة، يعيش المواطنون واقعًا مختلفًا يزداد صعوبة يومًا بعد آخر.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح الحلول الحكومية في إعادة الاستقرار إلى سوق المحروقات، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والمعيشية؟
الإجابة لن تحدد مستقبل قطاع الطاقة فحسب، بل ستحدد أيضًا قدرة الاقتصاد السوري على الصمود، وقدرة ملايين السوريين على مواصلة حياتهم في ظل واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة.



