مقالات الرأي

القاهرة ودمشق: معركة دبلوماسية صامتة تكشف ملامح الشرق الأوسط الجديد

إعداد الصحفي: رياض الخطيب

لم تأتِ الأزمة الأخيرة بين دمشق والقاهرة من فراغ، كما أنها لا تتعلق فقط بإجراءات قنصلية أو خلافات بروتوكولية عابرة. فخلف ملف التأشيرات والتمثيل الدبلوماسي تختبئ أسئلة أكبر تتعلق بموقع سوريا الجديدة في الخارطة العربية، وبكيفية تعامل العواصم الإقليمية مع التحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.
فعلى امتداد عقود طويلة، كانت العلاقة بين سوريا ومصر واحدة من أكثر العلاقات العربية تأثيراً في رسم التوازنات السياسية داخل المنطقة.

ورغم ما شهدته من فترات تقارب وتباعد، بقيت القاهرة ودمشق تمثلان طرفين رئيسيين في أي معادلة عربية كبرى، انطلاقاً من الإرث التاريخي الذي يعود إلى مرحلة الجمهورية العربية المتحدة وما تلاها من تحولات سياسية عميقة.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 دخلت هذه العلاقة مرحلة مختلفة تماماً. ففي الوقت الذي اتجهت فيه عواصم عربية عديدة إلى قطع علاقاتها مع نظام بشار الأسد، اختارت القاهرة الاحتفاظ بخيوط اتصال سياسية وأمنية مع دمشق، خاصة بعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014. وخلال تلك السنوات، بدا واضحاً أن المقاربة المصرية للملف السوري تستند إلى أولوية الحفاظ على مؤسسات الدولة ومواجهة التنظيمات المتشددة، أكثر من اهتمامها بمسألة التغيير السياسي التي رفعتها قوى المعارضة السورية.

ومع مرور الوقت، وجدت القاهرة نفسها أقرب إلى الرؤية التي كانت تدعو إلى إعادة دمج النظام السوري في محيطه العربي، وهو ما تجسد لاحقاً في موجة التطبيع التي سبقت سقوط الأسد.

غير أن المتغيرات المتسارعة التي شهدتها سوريا قلبت كثيراً من الحسابات التي بُنيت خلال السنوات الماضية.
فسقوط النظام لم يكن حدثاً سورياً داخلياً فحسب، بل شكل تحولاً سياسياً وإقليمياً دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في مقاربتها للملف السوري. فالدول التي كانت تتعامل مع دمشق من خلال مؤسسات النظام السابق وجدت نفسها أمام قيادة جديدة وخطاب سياسي مختلف وأولويات جديدة تفرض واقعاً مغايراً لما كان قائماً طوال أكثر من عقد.

ومنذ ذلك الحين، سعت دمشق إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة تتطلع إلى استعادة دورها الإقليمي عبر الانفتاح على العالم العربي والمجتمع الدولي، والتركيز على إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات وتحريك عجلة الاقتصاد. كما حاولت القيادة السورية الجديدة إيصال رسالة مفادها أن سوريا لم تعد ساحة للصراعات الإقليمية بقدر ما تريد أن تكون شريكاً في الاستقرار والتنمية.

لكن هذه الرسائل لم تُقرأ بالطريقة ذاتها في مختلف العواصم العربية. فبينما اختارت بعض الدول الانخراط سريعاً مع الواقع الجديد في سوريا، فضلت دول أخرى التريث ومراقبة المشهد بحذر، في انتظار اتضاح صورة المرحلة المقبلة.

ومن هنا يمكن فهم الجدل الذي رافق ملف التمثيل الدبلوماسي السوري في القاهرة. فالقضية بالنسبة لكثير من المراقبين تتجاوز مسألة منح تأشيرات أو اعتماد دبلوماسيين، لتلامس جوهر العلاقة بين الطرفين في مرحلة ما بعد الأسد.

إذ ترى أوساط سياسية سورية أن دمشق تتطلع إلى فتح صفحة جديدة مع محيطها العربي على أساس المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي واحترام السيادة الوطنية، في حين لا تزال بعض المؤسسات الإقليمية تتعامل مع المشهد السوري من خلال اعتبارات أمنية وحسابات تعود إلى مرحلة مختلفة.

وفي هذا السياق، يبرز الرئيس أحمد الشرع بوصفه أحد أبرز وجوه المرحلة السياسية الجديدة في سوريا.

فأنصاره يرون أنه يسعى إلى بناء سياسة خارجية أكثر انفتاحاً ومرونة، قادرة على استثمار التحولات التي تشهدها المنطقة وإعادة تموضع سوريا ضمن شبكة العلاقات العربية والإقليمية. وفي المقابل، تبدو القاهرة منشغلة بملفات داخلية واقتصادية وأمنية معقدة تجعل مقاربتها للمتغيرات الإقليمية أكثر حذراً وأقل اندفاعاً نحو التغيير.

وربما لهذا السبب تبدو الأزمة الحالية أكبر من مجرد خلاف دبلوماسي عابر. فهي تعكس، في جانب منها، اختلافاً في قراءة المرحلة المقبلة، واختلافاً في تقدير طبيعة التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب والانقسامات.

ومع استمرار حالة التوتر بين العاصمتين، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الخلافات الراهنة ستبقى ضمن حدود التباين السياسي الطبيعي بين دولتين عربيتين، أم أنها ستتحول إلى مؤشر على إعادة تشكيل التحالفات والتوازنات في المنطقة.

وفي جميع الأحوال، فإن ما يجري اليوم بين دمشق والقاهرة يكشف أن الشرق الأوسط الذي تشكل بعد عام 2011 ليس هو الشرق الأوسط الذي يتبلور اليوم. فالقوى تتغير، والأولويات تتبدل، والعلاقات تعاد صياغتها وفق معطيات جديدة.

وبينما تحاول دمشق تثبيت موقعها في هذه المرحلة الجديدة، تبدو القاهرة أمام اختبار سياسي لا يقل أهمية، عنوانه كيفية التعامل مع سوريا ما بعد الأسد، ومع واقع إقليمي يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى