
في قلب الغوطة الشرقية التي عانت سنوات من الحصار الخانق، يقف قصر الثقافة في مدينة دوما اليوم كشاهد حي على صراع الذاكرة ضد الفناء والمحو، وتكذيب صارخ للسردية التي حاول النظام ترسيخها حول المدينة.
هذا الصرح الذي انطلق كنواة فكرية رائدة عام 1967 وتوسع ليصبح المركز الثقافي الأكبر في ريف دمشق، لم يكن مجرد جدران إسمنتية، بل كان يضم مكتبة عامة تاريخية حوت ما يزيد على 26 ألف كتاب ومخطوطة، مثّلت الحاضنة المعرفية لطلاب وباحثي المنطقة وعمودها الفقري التنويري.
لكن محاولات وصم المدينة بالجهل والظلامية تُرجمت على أرض الواقع بقصف مدفعي وجوي مركز استهدف بنية القصر التحتية بشكل مباشر، وأتبعته قوات النظام باقتحامات وحرائق متعمدة نهبت وأبادت المحتوى الفكري للمكتبة بالكامل، محولةً عقوداً من الإرث الإنساني والثقافي إلى رماد، في محاولة لطمس هوية المجتمع المحلي وإعدام ذاكرته الجمعية.
إلا أن أهالي دوما رفضوا الاستسلام لواقع الدمار؛ فبمبادرات أهلية ومجتمعية قادها أبناء المدينة بجهودهم الذاتية، تداعت السواعد لتنظيف الركام وترميم قاعات المحاضرات وصالات العرض واليوم، تحول القصر بفضل إصرار السكّان إلى خلية نحل تضج بملتقيات التراث، ودورات التمكين المهني، ومعارض الفنون التشكيلية، والندوات التوعوية والمساحات التعليمية للأطفال، معلنةً أن وعي الغوطة عصي على الكسر، وأن الحياة والمعرفة ينتصران دوماً على آلات الموت والظلام.



