الدور السوري الجديد وعودة العقدة الجيوبوليتيكية

إعداد: أحمد اللبان: صحفي وباحث في الشؤون السياسية الدولية
تكشف التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم حقيقة غالباً ما تغيب وسط ضجيج الحروب والصراعات السياسية، وهي أن الجغرافيا تبقى العامل الأكثر ثباتاً وتأثيراً في تشكيل موازين القوى، فبينما تنشغل العواصم الإقليمية بإدارة الأزمات العسكرية وإعادة رسم التحالفات، بدأت الجغرافيا السورية تستعيد تدريجياً دورها الطبيعي الذي فقدته خلال سنوات الحرب الطويلة، وما حدث مؤخراً في قطاع الطيران المدني يقدم نموذجاً عملياً على هذه الحقيقة؛ فارتفاع عدد الرحلات العابرة للأجواء السورية إلى ما يقارب اثني عشر ألف رحلة خلال شهر واحد، وتحقيق ملايين الدولارات من عائدات العبور وهو ما يقارب 6 مليون دولار في شهر، لا يمثل مجرد نجاح مالي مؤقت فرضته ظروف الحرب بين إيران وإسرائيل، بل يعكس عودة الاعتراف الإقليمي والدولي بأهمية الموقع السوري داخل شبكة الحركة الجوية والتجارية التي تربط آسيا وأوروبا والخليج وشرق المتوسط.
تكمن أهمية هذا التطور في أنه يعيد التذكير بحقيقة جيوبوليتيكية أساسية لطالما حكمت تاريخ المنطقة؛ فالدول قد تخسر نفوذها السياسي أو تتعرض لهزات اقتصادية أو تمر بظروف أمنية معقدة، لكنها لا تفقد موقعها الجغرافي، فالجغرافيا ليست مورداً قابلاً للنضوب ولا ورقة سياسية مؤقتة، بل أصل استراتيجي دائم، وخلال سنوات الحرب جرت محاولات عديدة للالتفاف على الموقع السوري واستبدال وظائفه الاقتصادية والاستراتيجية بمسارات بديلة، إلا أن الأزمات الإقليمية الأخيرة أثبتت مجدداً أن تجاوز سوريا قد يكون ممكناً لفترة محدودة، لكنه يبقى خياراً مكلفاً وغير مستدام على المدى الطويل.
وإذا كانت الحرب الإيرانية الإسرائيلية قد دفعت شركات الطيران إلى إعادة توجيه مساراتها عبر الأجواء السورية، فإن الدلالة الأعمق لهذا التحول تتجاوز قطاع الطيران نفسه، فالذي عاد إلى سوريا ليس فقط جزء من حركة الملاحة الجوية، بل جزء من موقعها داخل الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط، فحين تعود خطوط العبور إلى المرور فوق دولة ما، فإن ذلك يعني أن هذه الدولة بدأت تستعيد مكانتها ضمن منظومة المصالح الإقليمية، وحين تبدأ الشركات الدولية بإعادة تقييم مخاطرها تجاه هذا المجال الحيوي، فإننا نكون أمام مؤشر على تحول أوسع يتعلق بإعادة دمج سوريا في شبكات الحركة والتجارة والنقل التي ستشكل العمود الفقري للنظام الإقليمي القادم.
وتأتي هذه التطورات في لحظة تشهد فيها المنطقة عملية إعادة تشكيل شاملة للتوازنات، فالتقدم الإسرائيلي في جنوب لبنان، والتغيرات التي تصيب بنية النفوذ الإيراني، والانفتاح الأوروبي المتزايد على دمشق، وإعادة رسم خرائط الطاقة والنقل والتجارة، كلها ليست أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من عملية تاريخية واحدة يجري خلالها إعادة تعريف مراكز القوة وممرات النفوذ في المشرق العربي، وفي خضم هذه التحولات تبرز سوريا بوصفها الدولة الأكثر ارتباطاً بفكرة الجغرافيا نفسها، لأن موقعها لا يجعلها مجرد طرف في التوازنات الجديدة، بل أحد الأسس التي ستبنى عليها تلك التوازنات.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام دمشق لا يتمثل في الاستفادة من عائدات عبور الطائرات أو من الظروف الإقليمية الطارئة فقط، بل في تحويل هذه اللحظة إلى استراتيجية طويلة الأمد، فالدول لا تصبح مؤثرة لأنها تستفيد من الأزمات، بل لأنها تحول الأزمات إلى فرص دائمة، وسوريا تمتلك اليوم فرصة نادرة لإعادة بناء دورها بوصفها عقدة ربط بين الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط وأوروبا، ومركزاً لتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية في المشرق، وإذا نجحت في استثمار هذه الميزة، فإن ما نشهده اليوم لن يكون مجرد عودة للطيران فوق الأجواء السورية، بل بداية عودة الجغرافيا السورية نفسها إلى قلب معادلات الشرق الأوسط الجديد.
حيث إن القيمة الحقيقية للجغرافيا لا تقاس بما تمنحه للدولة من فرص كامنة، بل بقدرة الدولة على تحويل تلك الفرص إلى وظائف دائمة داخل النظام الإقليمي، ولهذا فإن السؤال الأهم بالنسبة لسوريا في المرحلة المقبلة ليس أين تقع سوريا على الخريطة، بل ماذا ستفعل سوريا بهذا الموقع؟ فالجغرافيا السورية لم تعد بحاجة إلى من يثبت أهميتها، بل إلى مشروع وطني يحولها إلى مصدر نفوذ وقوة وثروة واستقرار، ومن هنا تبدأ نظرية الدور السوري الجديد التي ينبغي أن تقوم على الانتقال من مفهوم الدولة التي تتموضع عند خطوط الصراع إلى مفهوم الدولة التي تتحكم بخطوط الربط بين الأقاليم المختلفة.
إن الخطأ الذي وقعت فيه كثير من دول المنطقة خلال العقود الماضية تمثل في بناء أدوارها على أساس التوازنات العسكرية فقط، بينما تشير التجارب الحديثة إلى أن الدول الأكثر تأثيراً في القرن الحادي والعشرين هي الدول التي تتحكم بالممرات والطرق وسلاسل الإمداد والطاقة وحركة التجارة، ولذلك فإن الدور السوري الجديد لا ينبغي أن يُبنى على فكرة استعادة أدوار الماضي كما كانت، بل على بناء وظيفة جديدة لسوريا بوصفها عقدة إقليمية كبرى تربط الخليج العربي وبلاد الرافدين بشرق المتوسط، وتربط الأسواق العربية بتركيا، وتربط المشرق العربي بأوروبا، فالموقع السوري يمنح الدولة فرصة نادرة لتكون نقطة التقاء للمصالح بدلاً من أن تكون ساحة تنافس عليها.
ومن هذا المنطلق فإن تحويل سوريا إلى مركز ترانزيت بري إقليمي يجب أن يصبح أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للدولة خلال العقد القادم، فالجغرافيا السورية تمتلك ميزة لا تتوافر في معظم دول المنطقة، إذ تقع على أقصر المسارات البرية التي تربط الخليج والعراق والأردن بتركيا والبحر المتوسط وأوروبا، وإذا نجحت دمشق في تطوير شبكة الطرق الدولية والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية الحديثة والمعابر الحدودية الذكية، فإنها لن تستفيد فقط من رسوم العبور، بل ستتحول إلى شريان اقتصادي تمر عبره حركة التجارة الإقليمية، وعندما تصبح مصالح عشرات الدول والشركات مرتبطة بالاستقرار السوري، فإن الجغرافيا تتحول تلقائياً إلى عنصر قوة سياسية وأمنية واقتصادية في آن واحد.
أما في قطاع الطاقة، فإن الفرصة المتاحة أمام سوريا قد تكون أكبر من أي مرحلة سابقة، فالموقع السوري يؤهلها لتكون نقطة التقاء لشبكات الغاز والكهرباء وخطوط الربط الإقليمية بين الخليج والعراق والأردن وتركيا وشرق المتوسط، وخلال السنوات القادمة ستزداد أهمية الدول القادرة على لعب دور الممر والموصل بين مصادر الطاقة والأسواق المستهلكة، ولذلك فإن بناء دور سوري جديد في هذا المجال لا يتطلب فقط زيادة الإنتاج المحلي، بل يتطلب تحويل الأراضي السورية إلى منصة عبور وربط وتخزين وتوزيع للطاقة على مستوى المشرق بأكمله، فالدول التي تتحكم بتدفقات الطاقة لا تكتسب عوائد اقتصادية فحسب، بل تكتسب وزناً سياسياً واستراتيجياً طويل الأمد.
وفي السياق نفسه، فإن بوابة الخليج إلى المتوسط ليست مشروعاً نظرياً، بل إمكانية جغرافية قائمة منذ آلاف السنين، فالموانئ السورية على المتوسط تمثل أقرب منفذ بحري طبيعي لجزء واسع من المشرق العربي، بينما تشكل الأراضي السورية الامتداد البري الأقصر بين الخليج والسواحل المتوسطية، وإذا تمكنت الدولة السورية من تطوير موانئها وربطها بشبكات نقل حديثة ومناطق صناعية ولوجستية متخصصة، فإن سوريا ستتحول تدريجياً من دولة عبور إلى دولة قيمة مضافة، تستفيد من التجارة والصناعة والخدمات والنقل والتخزين والتوزيع في آن واحد.
كما أن العلاقة مع تركيا يجب أن تُقرأ من منظور جيوبوليتيكي بعيد المدى يتجاوز الملفات الآنية، فتركيا تمثل أكبر بوابة اقتصادية للمشرق نحو أوروبا، بينما تمثل سوريا أقصر بوابة جغرافية لتركيا نحو العالم العربي، وإذا نجح الطرفان في بناء شبكة مصالح مستقرة قائمة على الاقتصاد والنقل والطاقة والتبادل التجاري، فإن سوريا خلال السنوات المقبلة قد تتحول إلى المركز اللوجستي الأهم الذي يربط الأسواق التركية بالأسواق العربية، ويحول موقعها من حدود فاصلة إلى جسر اقتصادي بين فضاءين اقتصاديين ضخمين، وهذه ليست فرضية نظرية، بل نتيجة طبيعية لأي استقرار طويل الأمد ولأي سياسة تنموية تستثمر الموقع بدلاً من الاكتفاء بإدارته.
إن جوهر الدور السوري الجديد يجب أن يتمثل في الانتقال من دولة تُعرّف نفسها من خلال الصراعات التي تحيط بها إلى دولة تُعرّف نفسها من خلال المصالح التي تربطها بمحيطها، فالقوة الحقيقية لسوريا في القرن الحادي والعشرين لن تنبع من كونها خط مواجهة، بل من كونها خط وصل، ولن تنبع من قدرتها على عرقلة حركة الإقليم، بل من قدرتها على تسهيلها، فكل طريق يمر عبر سوريا، وكل خط طاقة يعبر أراضيها، وكل شبكة تجارة تربط الشرق بالغرب من خلالها، ستضيف إلى نفوذها أكثر مما تضيفه سنوات طويلة من الصراع والاستنزاف.
وفي النهاية، فإن الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم يختلف جذرياً عن الشرق الأوسط الذي عرفته المنطقة خلال العقود الماضية، فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول الجيوش والتحالفات، بل حول الممرات والعقد اللوجستية والطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد، وفي مثل هذا العالم تملك سوريا فرصة تاريخية نادرة، فإذا أحسنت إدارة جغرافيتها، فإنها لن تعود مجرد دولة استعادت استقرارها بعد الحرب، بل ستتحول إلى العقدة الجيوبوليتيكية المركزية للمشرق العربي، وإلى نقطة الربط الرئيسية بين الخليج وتركيا وأوروبا وشرق المتوسط، وعندها لن تكون الجغرافيا السورية مجرد ميزة طبيعية، بل ستصبح أساساً لدور إقليمي جديد قادر على إنتاج النفوذ والاستقرار والازدهار لعقود طويلة قادمة.


