مقالات الرأي

نحو دستور اقتصادي يحمي “السندويش”.. مقاربة في العدالة الاقتصادية وإعادة بناء النسيج الاجتماعي

بقلم: جهاد بكورة – رجل أعمال سوري

مقدمة
في خضم التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعصف بالمجتمعات الناشئة والدول الخارجة من أزمات بنيوية عميقة، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: من يحمي الاقتصاد الحقيقي؟ ليس اقتصاد الأرقام الكبرى والمؤشرات المصطنعة، بل اقتصاد “السندويش” — ذلك المصطلح الذي يختزل في بساطته العميقة منظومة كاملة من القيم الإنتاجية والاجتماعية؛ الصانع الصغير، والبائع المتجول، والمزارع المحلي، وصاحب الورشة المتواضعة الذي يُشغّل خمسة أيدٍ عاملة لا تظهر في إحصاءات الاقتصاد الرسمي.
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في السياسات الآنية العرضية، بل في إرساء ما يمكن تسميته “الدستور الاقتصادي” — منظومة تشريعية سامية تعلو على الاعتبارات السياسية الظرفية، وتضع حماية الدورة الاقتصادية المحلية في صلب أولوياتها.

أولاً: أزمة البنية لا أزمة الموارد
تكشف التجارب المقارنة في اقتصادات ما بعد الأزمات أن معظم دول العالم النامي لا تعاني من شحّ الموارد بقدر ما تعاني من خلل في هيكلية توزيعها واستثمارها. فالموارد الوطنية — أرضاً وبشراً وثروةً طبيعية — موجودة، غير أنها مُرتهَنة لمصالح ضيقة تجعلها خارج الدورة الاقتصادية المحلية؛ إما بفعل الاحتكار، أو بفعل المحسوبية التي تُقصي الكفاءة وتُكافئ الولاء.
وفي هذا السياق، فإن غياب الإطار التشريعي الحامي للاقتصاد الحقيقي لا يعني فراغاً تنظيمياً محايداً، بل يعني — في الغالب — سيادة قانون الغنيمة؛ إذ تتحول الثروة الوطنية إلى مغنم لمن يملك النفوذ، لا إلى رصيد إنتاجي لمن يملك العمل والكفاءة.

ثانياً: مفهوم الدستور الاقتصادي
يتجاوز مفهوم “الدستور الاقتصادي” هنا المعنى الضيق للتشريعات المالية الاعتيادية. إنه إطار تأسيسي يقوم على ثلاثة محاور:
١. تجريم الاحتكار والمحسوبية بوصفهما جريمة اقتصادية اجتماعية
لا يكفي معالجة الاحتكار بغرامات مالية هامشية؛ فالاحتكار الذي يطال السلع الأساسية — الغذاء والدواء والطاقة — هو اعتداء مباشر على كرامة الإنسان وقدرته على العيش. ويستلزم الدستور الاقتصادي الناضج أن يُعامَل هذا النوع من الاحتكار معاملةً تتناسب مع حجم الضرر الاجتماعي الذي يُحدثه.
٢. ضمان دورة الموارد الوطنية داخل الاقتصاد المحلي
إن فك ارتهان الموارد الوطنية يعني توجيه الاستثمار نحو سلاسل القيمة المحلية، وإيجاد حوافز هيكلية تجعل التوطين الاقتصادي خياراً مجدياً لا عبئاً تنظيمياً. وهنا تبرز أهمية ما أرساه الاقتصادي آدم سميث في “نظرية المشاعر الأخلاقية” من أن الثقة الاجتماعية هي الأساس الذي يقوم عليه أي نظام اقتصادي متماسك، إذ لا يمكن لسوق أن يعمل بكفاءة في غياب منظومة القيم التي تجعل الالتزام بالعقود والإنتاج النزيه سلوكاً راسخاً.
٣. دعم الإنتاج الحقيقي على حساب الاقتصاد الريعي
تُثبت تجارب التمويل الأصغر التي رسّخها محمد يونس في بنغلاديش أن الوحدة الاقتصادية الأكثر قدرة على تحريك الدورة الإنتاجية ليست المؤسسة الكبرى، بل الفرد المنتج المُمكَّن بأدوات مناسبة. فالسندويش الذي يصنعه خبّاز صغير يحرك سلسلة قيمة كاملة: قمح المزارع، وطاقة المطحنة، وعمل الموزع، وبيع البائع. هذه السلاسل هي عصب الاقتصاد الحقيقي الذي يجب أن تحميه التشريعات بصورة صريحة.

ثالثاً: إشكالية الهندسة الاجتماعية كأداة اقتصادية
لا يمكن فهم إصلاح الاقتصاد بمعزل عن فهم البنية الاجتماعية التي يعمل فيها. فـ*“الهندسة الاجتماعية”* بمعناها الاقتصادي تعني القدرة على تصميم حوافز وبيئات مؤسسية تجعل السلوك الإنتاجي النزيه هو الخيار الأيسر والأجدى، بدلاً من أن يكون السلوك الريعي والمحسوبي هو الأقصر طريقاً إلى الثروة.
وهذا يستلزم أن يتضمن الدستور الاقتصادي آليات للتصحيح الذاتي؛ أي مؤسسات رقابية مستقلة تملك صلاحيات حقيقية، وشفافية في التعامل مع الموارد العامة، وقضاء اقتصادياً متخصصاً قادراً على الفصل في النزاعات بسرعة وكفاءة.

خلاصة
إن الحماية الحقيقية لـ”السندويش” لا تأتي من دعم عرضي يتبدد مع تقلبات السياسة، بل تأتي من دستور اقتصادي يجعل العدالة التوزيعية وحماية المنتج الصغير مبدأً سامياً لا تنازلاً ظرفياً. وإن أي مسعى نحو إعادة بناء اقتصاد وطني متماسك لن يكتمل ما لم تُوضع هذه القواعد التأسيسية أولاً — قبل الخطط والمشاريع والأرقام.
فالاقتصاد الذي يحمي السندويش هو الاقتصاد الذي يحمي الإنسان — وهذا هو الاقتصاد الوحيد الجدير بالاستمرار.

ضمن سلسلة: رؤيا اقتصادية — في إعادة بناء ما انهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى