مقالات الرأي

سورية في عين العاصفة

هل نحن أمام سلسلة مصادفات أم أمام مرحلة ضغط سياسي وأمني تعيد رسم ملامح المشهد السوري؟

بقلم الصحفي: رياض الخطيب

ما يحدث في سورية خلال المرحلة الأخيرة لا يمكن قراءته على أنه سلسلة أحداث منفصلة عن بعضها البعض، فالمشهد العام يوحي بوجود حالة إعادة تموضع إقليمية ودولية تتقاطع آثارها داخل الساحة السورية بصورة مباشرة.

ومن هنا يبرز السؤال: هل نحن أمام مصادفات متتالية، أم أمام مرحلة ضغط سياسي وأمني مركّز على الدولة السورية الجديدة؟

في البداية، يأتي الحديث عن التقارب الأمريكي الإيراني أو التفاهمات غير المعلنة بين الطرفين في سياق إقليمي أوسع من الملف النووي. فكل اتفاق أو تفاهم بين واشنطن وطهران ينعكس بصورة أو بأخرى على ملفات النفوذ في المنطقة، وفي مقدمتها العراق وسورية ولبنان.
لذلك فإن أي حراك أمريكي إيراني يستدعي بطبيعة الحال إعادة حسابات القوى المحلية والإقليمية المرتبطة بهذين الطرفين.

وفي التوقيت ذاته، تبرز زيارة مظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى فرنسا باعتبارها مؤشراً على استمرار سعي الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية إلى البحث عن مظلات دعم دولية إضافية، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها سورية بعد سقوط النظام السابق. هذه الزيارات لا تعني بالضرورة وجود مشروع انفصال وشيك، لكنها تعكس رغبة واضحة في تعزيز أوراق التفاوض والحفاظ على مكاسب سياسية وعسكرية تحققت خلال السنوات الماضية.

أما تصريحات رامي مخلوف الأخيرة وما تضمنته من لهجة تصعيدية تجاه الحكومة السورية، فهي تعكس من جهة استمرار وجود شبكات مصالح اقتصادية وأمنية مرتبطة ببقايا النظام السابق، كما تعكس من جهة أخرى محاولة بعض الأطراف استثمار أي حالة توتر أو اضطراب سياسي لإعادة تقديم نفسها لاعباً في المشهد السوري. وبالرغم من أن قدرة هذه الشخصيات على التأثير المباشر أصبحت محدودة مقارنة بالماضي، إلا أن خطورتها تكمن في قدرتها على تحريك بعض البيئات المرتبطة بها مالياً أو اجتماعياً.

وفي الجنوب السوري، فإن تهديدات الجماعات المسلحة المرتبطة بحكمت الهجري للحكومة السورية تندرج ضمن حالة التوتر المستمرة في محافظة السويداء، حيث تتداخل المطالب المحلية مع التدخلات الخارجية ومع محاولات بعض القوى استثمار الخصوصية الاجتماعية والسياسية للمحافظة.
ويكمن الخطر هنا في تحول الخلافات السياسية إلى صدامات مسلحة تُستخدم لاحقاً كذريعة لتدخلات خارجية أوسع.

أما عمليات استهداف بعض القيادات الجهادية في إدلب من قبل التحالف الدولي، فهي ليست حدثاً جديداً بحد ذاته، بل استمرار لسياسة أمريكية قائمة منذ سنوات تقوم على ملاحقة الشخصيات المصنفة إرهابياً حتى داخل المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية. إلا أن توقيت هذه العمليات في مرحلة إعادة تشكيل السلطة السورية يطرح تساؤلات حول الرسائل السياسية المرافقة لها، خصوصاً تجاه القوى الحاكمة الجديدة.

وفي الوقت نفسه، تشهد عدة محافظات سورية ارتفاعاً في وتيرة الاغتيالات والاضطرابات الأمنية. وهذه الظاهرة غالباً ما تكون سمة ملازمة للمراحل الانتقالية التي تشهد تفكك مراكز القوة القديمة وعدم اكتمال بناء المؤسسات الأمنية الجديدة. لذلك يمكن تفسير جزء كبير من هذه العمليات باعتباره انعكاساً لحالة الفراغ الأمني وصراع النفوذ أكثر من كونه دليلاً قاطعاً على وجود مخطط موحد.

أما ما يوصف بالحملات الممنهجة ضد الإعلاميين والناشطين السوريين، فهو ملف يستحق نقاشاً مستقلاً، لأن أي مرحلة انتقالية تحتاج إلى مساحة واسعة من الحريات والنقد والمساءلة. وفي المقابل، تتولد أحياناً حالة استقطاب حادة تجعل كل انتقاد يُفسر باعتباره استهدافاً سياسياً، بينما يُنظر إلى كل إجراء رسمي باعتباره قمعاً للحريات. والحقيقة غالباً تكون أكثر تعقيداً من هذين التوصيفين.

وعند الانتقال إلى الملف الإقليمي، فإن الضغوط الأمريكية على القيادة السورية فيما يتعلق بالعلاقة مع حزب الله أو بترتيبات الأمن الإقليمي تندرج ضمن الرؤية الأمريكية الأشمل لإعادة رسم التوازنات في المشرق العربي. كما أن الحديث عن احتمالات تحرك فصائل عراقية باتجاه شرق سورية يبقى مرتبطاً بمستوى التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما في المنطقة.

وفي الجنوب أيضاً، لا يمكن تجاهل استمرار النشاط الإسرائيلي في الجولان والمناطق الحدودية، ومحاولات تل أبيب توسيع هامش نفوذها الأمني مستفيدة من حالة الضعف التي عاشتها الدولة السورية خلال السنوات الماضية. وتبقى أي تحركات إسرائيلية داخل الأراضي السورية عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد المشهد ويغذي المخاوف من مشاريع تقسيم أو مناطق نفوذ طويلة الأمد.

لكن النقطة الأكثر أهمية في هذا النقاش تتمثل في البعد المجتمعي والسياسي الداخلي. فالسؤال الحقيقي ليس فقط حجم الضغوط الخارجية، بل مدى قدرة السوريين على بناء توافق وطني يحول دون استثمار تلك الضغوط في تفجير الساحة من الداخل. إن ربط مصير مكون اجتماعي أو ديني بمصير حكومة بعينها قد يكون مفهوماً في لحظات الخوف والتهديد، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة على المدى البعيد، لأن استقرار الدول لا يبنى على حماية طائفة من طائفة أخرى، بل على دولة قانون ومواطنة يشعر الجميع أنهم شركاء فيها.

في الخلاصة، يمكن القول إن سورية تواجه بالفعل مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع التحديات الداخلية. وليس من الصعب العثور على مؤشرات تدعم فرضية وجود محاولات لإرباك المشهد السوري وإضعاف السلطة المركزية. لكن في المقابل، فإن جزءاً من الأزمات الحالية يعود أيضاً إلى مشكلات داخلية تتعلق بالإدارة والحوكمة والعدالة الانتقالية والملفات الاقتصادية والأمنية المؤجلة. لذلك فإن القراءة الأكثر توازناً لا ترى في كل حدث مؤامرة مكتملة الأركان، ولا تعتبر كل ما يجري مجرد مصادفات عابرة، بل تنظر إلى المشهد بوصفه صراعاً مفتوحاً بين ضغوط خارجية حقيقية وتحديات داخلية لا تقل خطورة عنها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى