مقالات الرأي

سورية بين أنقرة وواشنطن وتل أبيب.. معركة الاستقلال وصناعة التحالف الجديد

دمشق: 23-8-2026
بقلم الصحفي: رياض الخطيب
إضاءات سياسية تكتيكية واستراتيجية

تقف سورية اليوم أمام مرحلة مختلفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فبعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والتدخلات الإقليمية والدولية، لم تعد المعركة مرتبطة فقط بكيفية الخروج من آثار الماضي، وإنما بكيفية حماية سورية الجديدة من الوقوع مجددًا في دائرة النفوذ والوصاية، وبناء دولة تمتلك قرارها السياسي والعسكري والأمني، وتستطيع أن تحمي حدودها ومصالحها في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا.

ومن هنا فإن الحديث عن التحالف التركي ليس ترفًا سياسيًا ولا موقفًا عابرًا تفرضه ظروف المرحلة، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره خيارًا استراتيجيًا يستحق النقاش الجدي.

فا سورية بحكم موقعها الجغرافي وحدودها ومحيطها الإقليمي، لا تستطيع أن تتجاهل تركيا، كما أن تركيا لا تستطيع تجاهل سورية.

هناك مصالح أمنية واقتصادية وجغرافية وسياسية مشتركة، تجعل العلاقة بين البلدين مختلفة عن أي علاقة أخرى.

ولذلك فإن إقامة خطة دفاعية مشتركة بين سورية وتركيا، وفق اتفاق واضح يحفظ السيادة السورية ويحدد طبيعة التعاون والوجود العسكري، قد تكون من أهم الخيارات التي ينبغي على دمشق دراستها. ولا سيما أن سورية الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى إعادة بناء مؤسسة عسكرية قادرة على حماية البلاد، وإلى منظومة أمنية متطورة، وإلى شريك يمتلك القدرة والخبرة والإمكانات التي تسمح بتأمين الحدود وردع أي تهديد محتمل.

ومن هذا المنطلق فإن تعزيز الانتشار العسكري التركي في سورية، بما في ذلك إقامة قواعد أو نقاط عسكرية في مناطق استراتيجية وخصوصًا في الجنوب السوري، يمكن أن يكون جزءًا من منظومة ردع مشتركة إذا تم ضمن اتفاق رسمي مع الدولة السورية، وبما يضمن وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة.

فالجنوب السوري بات اليوم جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الإقليمي وأي فراغ أمني فيه لن يبقى فراغًا طويلًا بل ستسعى قوى مختلفة إلى ملئه وفق مصالحها.

ومن هنا تأتي أهمية التفكير في ترتيبات أمنية تمنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام المشاريع الإقليمية والدولية.

ولعل ذكرى مجزرة الغوطة الكيميائية، التي تحل ذكراها الثالثة عشرة، تعيد إلى الواجهة سؤالًا لا يجوز للسوريين تجاوزه ففي ذلك اليوم الأسود قُتل مئات المدنيين، بينهم أطفال ونساء، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها سورية خلال سنوات الحرب. وبقيت المجزرة شاهدًا على عجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي.

لكن استحضار هذه الجريمة لا ينبغي أن يبقى مجرد استعادة للصور والذكريات، بل يجب أن يتحول إلى درس سياسي واستراتيجي. فالبلد الذي لا يمتلك القوة التي تحميه، سيبقى معرضًا لأن يدفع شعبه ثمن صراعات الآخرين، مهما كثرت البيانات الدولية ومهما ارتفعت شعارات حماية المدنيين.

ولهذا فإن سورية الجديدة مطالبة بإعادة النظر في جميع علاقاتها وتحالفاتها، بما فيها علاقتها بالتحالف الدولي. وليس المقصود هنا اتخاذ موقف انفعالي أو الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وإنما إجراء مراجعة حقيقية للمصالح السورية: ماذا قدم هذا التحالف لسورية؟ وما الذي تريده هذه القوى من وجودها؟ وهل تستطيع دمشق أن تضمن أن تكون شراكاتها الخارجية في خدمة القرار السوري، لا على حسابه؟
إن امتلاك الإرادة المستقلة لا يعني أن تغلق سورية أبوابها أمام العالم، بل يعني أن تتعامل مع الجميع من موقع الدولة صاحبة القرار. فلا ينبغي أن تكون دمشق جزءًا من محور مغلق، كما لا ينبغي أن تكون تابعًا لمحور آخر. المطلوب هو سياسة خارجية تقوم على المصالح، وتفتح الأبواب أمام العرب والأتراك والمسلمين والغرب في آن واحد، لكن من دون التفريط بالقرار الوطني.
وفي هذا الإطار، فإن التحالف التركي العربي والإسلامي يمكن أن يشكل فرصة حقيقية إذا استطاع أن يتحول من فكرة سياسية إلى منظومة مصالح مشتركة. فتركيا تملك وزنًا عسكريًا واقتصاديًا وجغرافيًا مهمًا ومصر تمتلك ثقلًا عربيًا لا يمكن تجاهله، والسعودية تمتلك وزنًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا، فيما يشكل العراق جسرًا مهمًا بين المشرق العربي وعمقه الإقليمي.

وإذا نجحت هذه الدول في بناء تفاهمات حقيقية حول الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، فإن المنطقة قد تكون أمام معادلة جديدة لا تكون فيها دولها مجرد ساحات تتصارع فوقها القوى الكبرى، وإنما أطرافًا تمتلك القدرة على التأثير في مستقبلها.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية ما يُطرح حول اتفاق مكة. فالسؤال الحقيقي ليس فقط كيف تتفق الدول العربية والإسلامية، وإنما هل تستطيع أن تنتقل من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة صناعة القرار؟ وهل تستطيع أن تبني منظومة أمن إقليمي تحمي مصالحها بدل أن تبقى ملفاتها الكبرى مرتبطة دائمًا بعواصم خارج المنطقة؟

ولا يمكن في هذا السياق تجاهل إسرائيل، التي أصبحت تحركاتها العسكرية والأمنية جزءًا أساسيًا من المشهد الإقليمي. فالاعتداءات والتوترات المتكررة على سورية تؤكد أن المنطقة بحاجة إلى إعادة صياغة منظومتها الأمنية، ليس عبر المغامرات العسكرية، وإنما عبر بناء قوة سياسية وعسكرية واقتصادية قادرة على حماية الدول ومصالحها.

ومن الخطأ أن تتحول مواجهة إسرائيل إلى شعار فقط فالقوة الحقيقية تبدأ من بناء الدولة، وتوحيد مؤسساتها، وتقوية جيشها، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وبناء شبكة علاقات إقليمية ودولية تمنحها القدرة على حماية قرارها.

وفي هذه المعادلة لا يمكن تجاهل تركيا ومصر فتركيا تمثل قوة إقليمية صاعدة ذات قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، ومصر تمثل الثقل العربي الأكبر من حيث الموقع والدور والتاريخ والقدرة على التأثير. وإذا أضيف إليهما ثقل السعودية والعراق ودول الخليج، فإن المنطقة تستطيع أن تبني لنفسها هامشًا أوسع من الاستقلالية في صناعة قراراتها.

أما سورية، فلا ينبغي أن تبقى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة موقعها الجغرافي يجعلها نقطة اتصال بين تركيا والعالم العربي، وبين المتوسط والمشرق، وهذا الموقع الذي جعلها تاريخيًا محط أطماع القوى المختلفة، يمكن أن يتحول اليوم إلى مصدر قوة إذا أحسنت الدولة السورية إدارة علاقاتها وتحالفاتها.
المعادلة المطلوبة إذًا ليست أن تستبدل سورية نفوذًا بنفوذ آخر، ولا أن تخرج من بيت طاعة لتدخل بيت طاعة جديدًا. المطلوب أن تستفيد من علاقاتها مع تركيا والعرب والمسلمين والغرب، وأن تجعل كل علاقة أداة لخدمة المصلحة السورية.

فالتحالف مع تركيا يمكن أن يكون صمام أمان مهمًا، لكنه يجب أن يكون تحالفًا بين دولتين، لا علاقة تبعية والانفتاح على العالم العربي والإسلامي يجب أن يتحول إلى مشروع سياسي واقتصادي وأمني حقيقي، لا مجرد بيانات ومؤتمرات.

سورية اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة بناء موقعها في المنطقة. وإذا نجحت في الجمع بين العمق التركي والامتداد العربي والإسلامي، وحافظت في الوقت نفسه على علاقات متوازنة مع بقية القوى الدولية، فإنها قد تنتقل من كونها ساحة للصراع إلى طرف فاعل في صناعة التوازنات.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة:
هل ينضج اتفاق مكة ليكون بداية لتحالف عربي وإسلامي حقيقي، تكون فيه تركيا قوة إسناد، ومصر ثقلًا عربيًا، والسعودية مركزًا سياسيًا واقتصاديًا، والعراق عمقًا مشرقيًا، وسورية نقطة ارتكاز؟
أم أن المنطقة ستبقى أسيرة المحاور الدولية، فيما تستمر القوى الخارجية في رسم مستقبلها نيابة عن شعوبها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى