سوريا بين التمدد الإسرائيلي وفخ الانخراط اللبناني

بقلم: أحمد اللبان: صحفي وباحث في الشؤون السياسية الدولية
تكشف التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما رافقها من حديث عن إمكانية مساهمة سوريا في ترتيبات الأمن اللبناني أو في مواجهة نفوذ حزب الله، أن دمشق بدأت تدخل مرحلة سياسية مختلفة جذرياً، فالمسألة لم تعد تتعلق بمستقبل الدولة السورية الداخلي فقط، بل بطبيعة الدور الذي يُراد لسوريا أن تؤديه داخل النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل على أنقاض توازنات انهارت أو تتجه إلى الانهيار، وتزداد أهمية هذا النقاش إذا ما وضع في سياق المواقف التي أعلنتها القيادة السورية الجديدة منذ وصولها إلى السلطة، والتي أكدت بصورة متكررة تبني سياسة تقوم على تصفير المشكلات مع دول الجوار، وتركيز الجهد الوطني على إعادة بناء الدولة، وتحقيق الاستقرار، ورفض الانخراط في مشاريع توسعية أو صراعات تستنزف البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب.
في جوهره، لا يتعلق النقاش الحالي بلبنان وحده، ولا بحزب الله وحده، بل يتعلق بسؤال أكبر وأكثر أهمية: ما هو الدور السوري الجديد؟… وهل ستعود سوريا إلى أدوار النفوذ التقليدية التي حكمت جزءاً كبيراً من تاريخ المنطقة خلال العقود الماضية، أم أنها ستبني نموذجاً جديداً للنفوذ قائمًا على الجغرافيا والمصالح والاقتصاد والربط الإقليمي؟… هذا هو السؤال الحقيقي الذي يواجه دمشق اليوم، وهو في الوقت ذاته الاختبار الأهم الذي ستتحدد على أساسه مكانة سوريا في الشرق الأوسط القادم.
من زاوية المصلحة السورية المباشرة، تبدو الأولوية واضحة، فالدولة الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى تثبيت الأمن الداخلي، وإعادة بناء المؤسسات، وجذب الاستثمارات، ورفع العقوبات، وإطلاق مشاريع الإعمار، وتأمين عودة اللاجئين، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر دائم للقوة والنمو، ولذلك فإن أي انزلاق نحو دور عسكري مباشر داخل لبنان، يجب أن يخضع لحسابات دقيقة للغاية، لأنه قد يعيد فتح أبواب استنزاف لا تخدم أولويات الدولة السورية الحالية، ويهدد عملية النهوض التي تحتاجها البلاد خلال السنوات المقبلة أكثر من أي وقت مضى، ويضع دمشق في قلب صراعات تتجاوز مصالحها المباشرة.
أما من زاوية المصالح الأمريكية والإسرائيلية، فإن الصورة تختلف، فالولايات المتحدة تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من عملية إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المشرق، وتسعى إلى بناء بيئة إقليمية تحد من عودة النفوذ الإيراني وتمنع ظهور فراغات أمنية قد تستغلها قوى معادية أو تنظيمات متطرفة، أما إسرائيل فتنظر إلى التطورات الجارية من زاوية أمن حدودها الشمالية ومستقبل البيئة العسكرية المحيطة بها، وتسعى إلى منع إعادة تشكل أي بنية تهديد استراتيجية على امتداد الجبهة اللبنانية والسورية، ومن هنا يمكن فهم جزء من الاهتمام الغربي المتزايد بالدور السوري المحتمل في المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، فإن جزءاً من المصلحة اللبنانية قد يدفع بعض القوى إلى النظر بإيجابية نحو دور سوري يساعد على ملء الفراغ الذي يتشكل داخل لبنان نتيجة التحولات العميقة التي أصابت موازين القوى التقليدية، لأن أي فراغ كبير في لبنان لن يبقى فارغاً طويلاً، وأن القوى الأكثر قدرة على الحركة ستسعى إلى ملئه، ووفق هذه الرؤية، فإن البديل عن دور عربي أو سوري متوازن قد يكون توسعاً أكبر للنفوذ الإسرائيلي أو تصاعداً لحالة عدم الاستقرار، وهي معادلة تثير قلق العديد من المراقبين اللبنانيين والإقليميين.
غير أن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا خلال المرحلة المقبلة هو الوقوع في معادلة استراتيجية شديدة الحساسية تقوم على خيارين كلاهما مكلف: إما انخراط سوري مباشر داخل الساحة اللبنانية، وإما تمدد إسرائيلي متزايد في البيئة الأمنية المحيطة بلبنان، وهذه معادلة خطيرة لأن قبولها يعني عملياً أن الآخرين هم من يحددون الخيارات المتاحة أمام دمشق، بينما تقتضي السياسة الحكيمة البحث عن مسار ثالث يحمي المصالح السورية ويمنع في الوقت نفسه تحول لبنان إلى مصدر تهديد دائم للاستقرار الإقليمي.
ومن هنا يجب التمييز بوضوح بين ما يفيد سوريا وما يضرها، من وجهة نظر استراتيجية إن ما يفيد سوريا هو بناء دولة قوية مستقرة قادرة على استثمار موقعها الجغرافي وتحويله إلى نفوذ اقتصادي وسياسي طويل الأمد، وتوسيع شبكة علاقاتها العربية والإقليمية والدولية، وجعل استقرارها مصلحة مشتركة لمحيطها، أما ما يضر سوريا فهو الانجرار إلى صراعات مفتوحة تتجاوز أولوياتها الوطنية، أو العودة إلى نماذج إدارة النفوذ القديمة التي استنزفت المنطقة لعقود طويلة دون أن تؤسس لتنمية حقيقية أو استقرار دائم.
كما أن ما يضر لبنان هو تحوله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، أو بقاؤه أسير الفراغات الأمنية والانقسامات الداخلية، وما يضر إسرائيل من منظورها الأمني هو وجود بيئة حدودية غير مستقرة أو توسع دمشق بمعنى عودة تشكيل قوى تعتبرها تهديداً مباشراً، ولهذا فإن المنطقة بأكملها تقف أمام مرحلة إعادة صياغة للتوازنات لا تزال نتائجها النهائية غير محسومة.
وفي هذا السياق ينبغي على صانع القرار السوري أن يتذكر درساً تاريخياً بالغ الأهمية، فقد امتلكت سوريا نفوذاً واسعاً في لبنان طوال ما يقارب ثلاثة عقود، منذ دخول القوات السورية عام 1976 وحتى الانسحاب عام 2005 تحت تأثير ضغوط إقليمية ودولية واسعة، لكن التجربة أثبتت أن النفوذ القائم على الوجود الأمني والعسكري المباشر يظل مرتبطاً بظروف سياسية متغيرة، ويمكن أن يتراجع أو ينتهي بمجرد تغير البيئة الدولية والإقليمية، ولذلك فإن إعادة إنتاج التجربة القديمة لن تمثل بالضرورة استعادة للقوة، بل قد تتحول إلى إعادة إنتاج لمصادر الاستنزاف نفسها التي تجاوزتها المنطقة.
ولهذا فإن الدور السوري الجديد يجب أن يقوم على بناء نفوذ مختلف كلياً عن نماذج الماضي، فالقوة التي تحتاجها سوريا اليوم ليست قوة الانتشار العسكري فقط، بل قوة الاقتصاد والجغرافيا والطاقة والنقل والمصالح المشتركة، فكل طريق تجاري يمر عبر سوريا، وكل خط طاقة يعبر أراضيها، وكل استثمار إقليمي يرتبط باستقرارها، يمنحها نفوذاً أكثر استدامة من أي وجود عسكري خارج حدودها، إن النفوذ الذي يبنى على المصالح يبقى أطول عمراً وأقل كلفة من النفوذ الذي يبنى على القوة المباشرة.
ومن هنا تتبلور الفكرة المركزية التي يجب أن يلعبها الدور السوري الجديد، فبدلاً من أن تكون سوريا دولة تُعرّف نفسها من خلال ساحات الصراع المحيطة بها، يجب أن تتحول إلى دولة تُعرّف نفسها من خلال قدرتها على الربط بين الأقاليم المختلفة، فموقعها الجغرافي يؤهلها لأن تكون عقدة جيوبوليتيكية تربط الخليج بالمشرق، والمشرق بتركيا، وتركيا بأوروبا، وشرق المتوسط بالعمق العربي، وهذه الوظيفة الاستراتيجية قادرة على إنتاج نفوذ سياسي واقتصادي أكبر بكثير من نفوذ يرتبط بإدارة الأزمات الأمنية فقط.
كما أن مستقبل سوريا ينبغي أن يُبنى على التحول إلى مركز توازن إقليمي لا إلى طرف في محاور متصارعة، فنجاح دمشق خلال السنوات القادمة سيكون مرتبطاً بقدرتها على أن تكون مقبولة عربياً، ومقبولة تركياً، ومقبولة أوروبياً، وقادرة في الوقت نفسه على الحفاظ على استقلال قرارها الوطني من دون أن تتحول إلى تابع لأي قوة خارجية، فالدول التي تتحول إلى جسور بين الأطراف المختلفة تملك فرصاً أكبر للاستقرار والنمو من الدول التي تضع نفسها داخل خطوط الانقسام الحادة.
وفي النهاية، فإن النقاش الدائر اليوم حول لبنان يتجاوز الحدود اللبنانية نفسها، فهو في جوهره نقاش حول طبيعة الدولة السورية التي تتشكل بعد الحرب، وحول شكل النفوذ الذي يجب أن تسعى إليه، وحول موقعها في النظام الإقليمي الجديد، فإما أن تعود سوريا إلى منطق الاستنزاف والصراعات المفتوحة الذي استهلك المنطقة لعقود طويلة، وإما أن تؤسس لمرحلة جديدة تجعل من الجغرافيا مصدراً للقوة، ومن الاقتصاد أداة للنفوذ، ومن المصالح المشتركة أساساً للاستقرار، وهذه هي المعادلة التي ستحدد مكانة سوريا خلال العقد القادم، وستحدد معها ما إذا كانت دمشق ستعود لاعباً إقليمياً تقليدياً، أم ستصبح العقدة الجيوبوليتيكية المركزية للمشرق العربي في القرن الحادي والعشرين.


