مقالات الرأي

ماذا لو كانت الآثار من المستقبل وليست من الماضي؟

جهاد بكورة:

منذ أن بدأ الإنسان يحفر في الأرض بحثًا عن تاريخه، وهو مقتنع بأن كل ما يجده تحت قدميه ينتمي إلى الماضي: مدينة مدفونة، معبد مهجور، تمثال مكسور، قطعة فخار. كلها شواهد على أناس عاشوا قبلنا.

لكن ماذا لو كان الخطأ ليس في تفسير الآثار، بل في فهمنا للزمن نفسه؟

من الذي أقنعنا بأن ما نجده تحت أقدامنا يجب أن يكون خلفنا في الزمن؟

الزمن: طريق أم مدينة؟

نتعامل مع الزمن كما نتعامل مع الطريق: ماضٍ تركناه، ومستقبل ننتظره، وحاضر يفلت منا باستمرار. غير أن هذا قد يصف طريقة إدراكنا للزمن، لا طبيعته.

في الفيزياء، هناك تصور يُعرف بـ«الكون الكتلي»، يرى الأحداث كلها أجزاءً من بنية واحدة في الزمكان، بدلًا من النظر إلى الزمن بوصفه شيئًا يتدفق. وفي هذا التصور، يتساوى الماضي والمستقبل في «وجودهما».

تخيل أنك تسير في مدينة لا تعرفها. المباني قائمة قبل وصولك، والشوارع لا تُبنى لحظة دخولك إليها. أنت فقط تكتشف في كل خطوة جزءًا من مكان موجود. فماذا لو كان المستقبل كذلك: ليس شيئًا ينتظر أن يُخلق، بل شيئًا نقترب من اكتشافه؟

حين تصبح الآثار رسائل

ننظر إلى الآثار بوصفها ذاكرة الأرض. لكن لو جاء أثر من المستقبل، لما كان شاهدًا على ما حدث، بل إشارة إلى ما سيحدث.

تخيل أن علماء الآثار اكتشفوا بقايا مدينة لا تشبه أي حضارة معروفة، ثم اكتشف الإنسان بعد قرون أنه هو من سيبنيها.

هل بنينا المدينة لأننا اكتشفنا آثارها، أم اكتشفنا آثارها لأننا سنبنيها؟

بين الحقيقة العلمية والخيال الفلسفي

لا يوجد دليل علمي موثوق على أن الآثار التي نكتشفها تنتمي إلى المستقبل. فعلم الآثار يملك أدوات دقيقة لتحديد الأعمار، من التأريخ بالكربون المشع إلى دراسة طبقات الأرض وتحليل المواد.

ومع ذلك، هناك رموز وآثار لم نكتشف حتى اليوم إلى أي حضارة تنتمي، أو إلى ماذا ترمز، وما ماهيتها. وبعضها صُنّف ضمن عجائب العالم. فماذا لو كانت هذه آثارًا من المستقبل وليست من الماضي؟

لذلك، فهذه تجربة فكرية مستوحاة من اكتشافات حقيقية، وليست اكتشافًا علميًا.

لكن الأفكار الكبيرة تبدأ في الغالب بسؤال يبدو مستحيلًا، وقد بدت فكرة دوران الأرض حول الشمس يومًا ما مخالفة لما اعتاد الناس تصديقه.

وهذا التصور لا يعني أن المستقبل مكتوب، ولا أن الإنسان عاجز عن تغيير مصيره، بل يمنحنا مسؤولية أكبر. فإن وجدنا آثار حضارة عظيمة، رأيناها وعدًا بما يستطيع الإنسان تحقيقه، وإن وجدنا آثار حضارة دمرتها الحروب، رأيناها تحذيرًا مما يجب ألا نكرره. وأهمية الأثر ليست في عمره وحده، بل في المعنى الذي نستخرجه منه.

هل نحفر في الأرض أم في الزمن؟

لم نكتشف حتى اليوم وجود ذاكرة للمستقبل، مع أننا نمر أحيانًا بتجارب نشعر فيها بأننا رأينا شيئًا قبل حدوثه، ثم نراه يحدث بعد فترة. لكننا ندرك أننا نملك ذاكرة للماضي، فنظن أن ما نتذكره موجود، وما ننتظره غير موجود.

ولكن هل عدم اكتشاف ذاكرة للمستقبل يعني بالضرورة عدم وجوده؟

ربما كانت حدود معرفتنا بالزمن هي حدود وعينا به، لا حدود الزمن نفسه.

أمضينا قرونًا نحفر بحثًا عمن سبقونا. فماذا لو كنا، دون أن ندري، نحفر بحثًا عمن سنكون؟

وربما لا يكون السؤال: هل نستطيع اكتشاف المستقبل؟

بل: هل نحن من يكتب التاريخ، أم نسير نحو تاريخ لم نتعلم قراءته بعد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى