من نيويورك تبدأ الحكاية.. الشرع يفتح باباً طال انتظاره مع السوريين في أمريكا

إعداد الصحفي: رياض الخطيب
دمشق: 22-ايلول- 2026
ربما يكون من المبكر الحكم على ما ستنتجه زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك، لكن من الصعب تجاهل معنى أن يبدأ الرجل زيارته إلى الولايات المتحدة بلقاء سوريين يعيشون فيها منذ سنوات طويلة، بعدما فرّقت الحرب أبناء البلد الواحد بين الداخل والمنافي وأصبح لكل مدينة في العالم تقريباً حكاية سورية.
فاللقاء مع وفد من الجالية السورية في الولايات المتحدة، في مستهل مشاركة الشرع في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يبدو مجرد محطة اجتماعية على هامش زيارة سياسية.
الرئاسة السورية قالت إن الحديث تناول مستجدات البلاد ومسار البناء والتعافي، وإن الشرع استمع إلى مداخلات الحضور ومقترحاتهم، مؤكداً أهمية دور السوريين في الولايات المتحدة في تعزيز العلاقات السورية الأمريكية والاستفادة من خبراتهم في إعادة الإعمار والتنمية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المشهد.
لسنوات طويلة كان السوري في الخارج يُنظر إليه من زاويتين متناقضتين، إما بوصفه لاجئاً يحتاج إلى الحماية والمساعدة، أو بوصفه مغترباً يمكن أن يرسل المال إلى أهله. لكن السنوات التي مضت صنعت شيئاً أكبر من ذلك بكثير. جيل كامل من السوريين بنى تجارب مهنية وعلمية واقتصادية في الخارج، ودخل جامعات ومؤسسات وشركات كبرى، وأصبح يمتلك معرفة لا يمكن لسوريا التي تحاول النهوض من تحت الركام أن تتجاهلها.
ولذلك فإن السؤال اليوم ليس ماذا يستطيع السوريون في أمريكا أن يقدموا لسوريا، بل ماذا تستطيع سوريا أن تقدم لهم كي تجعل مشاركتهم ممكنة ومجدية.
هذه نقطة جوهرية
فالبلاد التي تريد إعادة بناء اقتصادها لا تستطيع أن تتعامل مع الكفاءات على أساس الجغرافيا، ولا أن تفترض أن من غادر فقد علاقته بوطنه. وفي المقابل فإن السوري المقيم في الولايات المتحدة لن يعود إلى بلده أو يستثمر فيه لمجرد أن الحنين دفعه إلى ذلك. هناك قوانين ومؤسسات وضمانات وبيئة استثمار، وهناك قبل كل شيء ثقة يجب أن تُبنى.
ومن هنا يمكن قراءة لقاء الشرع مع الجالية باعتباره اختباراً لنمط جديد من العلاقة بين الدولة والسوريين في الخارج.
إذا نجح هذا المسار، فإن فائدته لن تتوقف عند حدود تحويلات مالية أو مشاريع استثمارية. السوريون في الولايات المتحدة يملكون أيضاً شبكة علاقات واسعة داخل المجتمع الأمريكي، ويعرفون كيف تعمل المؤسسات والجامعات والشركات ومراكز الأبحاث، ويمكنهم أن يكونوا جسراً طبيعياً بين بلد يحاول استعادة حضوره الدولي ومجتمع أمريكي ما زال يتعرف إلى سوريا الجديدة.
وهذا البعد يكتسب أهمية خاصة في ظل الحراك الدبلوماسي الذي ترافق مع زيارة الشرع إلى نيويورك. فالرئيس وصل إلى المدينة على رأس وفد رسمي للمشاركة في الجمعية العامة، ومن المقرر أن يجري لقاءات مع قادة ومسؤولين دوليين إلى جانب إلقاء كلمة سوريا أمام الجمعية العامة.
لكن الدبلوماسية لا تصنعها الحكومات وحدها.
أحياناً يكون السوري الذي يعيش في نيويورك أو واشنطن أو شيكاغو أقدر على شرح بلده من سفارة كاملة، لأنه يعرف المجتمع الذي يعيش فيه ويعرف في الوقت نفسه المجتمع الذي جاء منه. وهذه المساحة بالذات يمكن أن تتحول إلى قوة ناعمة لسوريا إذا أُديرت بطريقة مؤسساتية، بعيداً عن الاستقطاب وعن فكرة أن المطلوب من المغترب هو التصفيق للحكومة أو الدفاع عنها في كل الظروف.
الدولة التي تثق بنفسها لا تحتاج إلى جالية تهتف لها، بل إلى جالية تستطيع أن تناقشها وتختلف معها وتساهم في تصحيح مسارها.
وهذا هو الفارق بين العلاقة الرمزية والعلاقة الحقيقية.
فالشرع يستطيع أن يلتقي بالسوريين في نيويورك، ويمكن للحكومة أن تتحدث عن إعادة الإعمار والاستثمار والاستفادة من الكفاءات، لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستظهر عندما تتحول الكلمات إلى مؤسسات وقنوات دائمة وآليات واضحة تسمح للطبيب والمهندس ورجل الأعمال والباحث والمستثمر والصحفي السوري في الخارج بأن يجد طريقاً عملياً للمساهمة في بلده.
وعندها فقط يصبح الحديث عن “سوريا الجديدة” أكثر من مجرد عنوان سياسي.
سوريا التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى كل أبنائها، لا إلى أولئك الذين بقوا داخل حدودها فقط. تحتاج إلى خبرة من بقي، وإلى خبرة من غادر، وإلى رأس المال الموجود في الداخل والخارج، وإلى الجيل الذي تربى في مدن سورية وإلى الجيل الذي كبر في عواصم العالم وهو يحمل اسماً سورياً.
ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون لقاء نيويورك بداية مهمة، ليس لأنه لقاء بين رئيس وجالية، وإنما لأنه يضع أمام الدولة سؤالاً طال تأجيله: كيف يمكن تحويل السوريين في الخارج من نتيجة من نتائج الحرب إلى جزء من الحل؟
الإجابة لن تكون في نيويورك وحدها، ولن تُحسم بصورة جماعية أو كلمة رسمية.
لكنها قد تبدأ من هناك
فحين يلتقي رئيس سوري بأبناء بلده في قلب الولايات المتحدة، فإن الرسالة الأهم ليست أن السوريين في الخارج ما زالوا يتذكرون وطنهم، فهذا أمر لم يكن يحتاج إلى إثبات. الرسالة الأهم هي أن سوريا نفسها بدأت تدرك أن طريق الخروج من آثار الحرب لا يمر فقط عبر إعادة بناء ما تهدم داخل حدودها، بل يمر أيضاً عبر استعادة الإنسان السوري أينما كان.
وإذا استطاعت دمشق أن تجعل هذا اللقاء بداية لعلاقة جديدة مع السوريين في الخارج، قائمة على الشراكة لا المجاملة، وعلى الكفاءة لا الولاء، فقد تكون نيويورك بالفعل واحدة من المحطات التي بدأت منها سوريا إعادة جمع أبنائها حول مشروع واحد: بناء وطن لا يضطر أبناؤه إلى البحث عن مستقبلهم بعيداً عنه.


