مقالات الرأي

سقط الأسد وبقي قراره.. مأمون الحمصي واختبار العدالة الانتقالية

إعداد الصحفي: رياض الخطيب
دمشق: 23 أيلول 2026

مأمون الحمصي لم يغادر دمشق هربًا من الأسد هذه المرة، بل غادرها بعدما سقط الأسد. وهذه المفارقة وحدها تكفي لفتح واحد من أكثر الأسئلة وجعًا في سوريا الجديدة: ماذا يعني أن يسقط النظام بينما تبقى بعض قراراته قادرة على ملاحقة الذين عارضوه؟
لم ألتقه شخصيًا، ولا أكتب عنه من موقع من عاش قصته إلى جانبه. لكنني توقفت أمام حكايته لأنها ليست حكاية رجل واحد فقط. هي حكاية جيل من السوريين الذين دفعوا ثمنًا باهظًا لمعارضتهم نظام الأسد قبل أن تصبح معارضته موقفًا عامًا.

مأمون الحمصي كان نائبًا في مجلس الشعب عندما رفع صوته عام 2001 مطالبًا برفع حالة الطوارئ وإطلاق الحريات. لم يكن يتحدث من منفاه ولا من خلف شاشة هاتف. كان داخل مؤسسات الدولة نفسها. وكانت النتيجة اعتقاله وإسقاط حصانته البرلمانية، ثم الحكم عليه بالسجن خمس سنوات. بعدها لم تتوقف قصة العقوبة عند باب السجن. امتدت إلى أملاكه ومكتبه وحياته السياسية والاجتماعية، وبقيت قرارات صدرت في عهد الأسد تلاحقه حتى بعد سقوط النظام.

وهنا تحديدًا تبدأ قصة العدالة الانتقالية لأن العدالة ليست فقط أن نحاكم من ارتكب الجرائم ثم نغلق الملف وليست فقط أن نفتش عن المعتقلين والمفقودين ونكشف مصيرهم. العدالة الانتقالية تعني أيضًا أن تراجع الدولة الجديدة إرث الدولة القديمة بكل ما فيه من أحكام ومصادرات وقرارات وإجراءات استخدمت في بعض الحالات لمعاقبة المعارضين. لا يمكن أن تقول سوريا إنها دخلت مرحلة جديدة بينما قرار صادر في عهد الأسد يستطيع بعد سقوطه أن يبقى نافذًا بحق أحد خصومه. وليس المطلوب أن تلغي الدولة كل قرار قديم بشكل جماعي، لأن ذلك أيضًا ليس عدالة. المطلوب أن تفتح الملفات وأن تسأل من أصدر القرار، ولماذا صدر، وهل كان قائمًا على قانون عادل أم كان جزءًا من عقوبة سياسية. إذا ثبت أن القرار كان تعسفيًا، فتصحيحه ليس منة على صاحبه، بل جزء من إعادة بناء دولة القانون.

قصة الحمصي تكشف شيئًا أخطر من مجرد مصادرة مكتب أو أملاك. تكشف أن سقوط النظام السياسي لا يعني بالضرورة سقوط كل البنية التي تركها وراءه. فالأنظمة لا تترك خلفها السجون فقط. تترك ملفات في الدوائر العقارية، وقرارات في المؤسسات المالية، وأحكامًا في المحاكم، وسجلات يمكن أن تستمر في التأثير على حياة الناس بعد رحيل أصحابها. ولذلك فإن العدالة الانتقالية التي لا تصل إلى هذه الملفات تبقى ناقصة. كم سوريًا ما زال ينتظر مراجعة قرار صدر بحقه؟ كم ملكية صودرت؟ كم إنسانًا حُرم من عمله أو حقوقه بسبب موقف سياسي؟ وكم ملفًا يحتاج إلى جهة مستقلة تعيد النظر فيه بعيدًا عن منطق الانتقام أو المحاباة؟

لهذا تبدو مغادرة مأمون الحمصي إلى كندا أكثر من خبر عن رجل اختار المنفى. إنها صورة تختبر بها سوريا الجديدة نفسها. كان يمكن لعودة رجل قضى سنوات في مواجهة الأسد أن تتحول إلى لحظة رمزية تقول إن البلد يستعيد أبناءه، وإن زمن العقوبة السياسية انتهى. كان يمكن فتح ملفه ومراجعة القرارات التي صدرت بحقه، ثم ترك القانون يقول كلمته. لكن أن يجد معارض قديم نفسه أمام آثار قرار صادر في عهد النظام الذي عارضه، ثم يرحل من جديد، فهذا يترك سؤالًا لا يمكن تجاهله: ماذا تغير فعلًا؟

لا أقول إن الدولة مطالبة بمنح مأمون الحمصي امتيازًا لأنه كان معارضًا. ولا أقول إن كل ما صدر بحقه يجب أن يُلغى بلا مراجعة. القضية أبسط وأكبر في الوقت نفسه. القضية أن الدولة الجديدة مطالبة بأن تثبت أن القانون لم يعد أداة لمعاقبة الخصوم، وأن مؤسساتها لا تحمل تلقائيًا قرارات النظام السابق من عهد إلى عهد. فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام من الماضي، بل تفكيك الظلم الذي تركه الماضي وراءه. ولا تعني صناعة أبطال جدد، بل إعادة الاعتبار لفكرة المواطن الذي لا يفقد حقوقه بسبب رأيه.

ربما لهذا السبب تستحق قصة مأمون الحمصي أن تتجاوز اسمه رجل عارض الأسد حين كان ثمن المعارضة سجنًا ومصادرة ومنفى، ثم عاد إلى دمشق بعد سقوطه قبل أن يرحل مرة أخرى إلى كندا. لم ألتقه، ولم أعش تفاصيل محنته، لكن قصته تقول شيئًا واضحًا لكل السوريين: لا يكفي أن يسقط الحاكم حتى تسقط منظومته. لا بد أن تراجع قراراته، وأن تفتح ملفاته، وأن تصل العدالة إلى كل أثر تركه خلفه.
وعندما تصل سوريا إلى هذه المرحلة، سيكون بوسعها أن تقول إن العدالة الانتقالية بدأت فعلًا. ليس عندما تعقد المؤتمرات أو تكتب البيانات، بل عندما يدخل مواطن إلى مؤسسة الدولة وهو يعرف أن الختم الموجود أمامه لن يكون امتدادًا لختم صادر عن زمن الاستبداد.

وعندما يصبح ممكنًا أن يُعاد الحق إلى صاحبه إذا ثبت أنه سُلب منه ظلمًا. وعندما يصبح واضحًا أن سوريا الجديدة لا تعاقب معارضيها ولا تحمل أخطاء النظام السابق إلى المستقبل.

سقط الأسد. لكن السؤال الذي تطرحه قصة مأمون الحمصي هو: هل سقطت قرارات الأسد معه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى