التقارير الإخباريةمحلي

جسر الرستن.. شريان التعافي وعصب الربط الجغرافي والاقتصادي في سوريا

يمثل جسر الرستن شرياناً برياً استراتيجياً وعقدة حيوية في سوريا، إذ يقع في مدينة الرستن شمال محافظة حمص فوق نهر العاصي. يُشكل الجسر جزءاً رئيسياً من الطريق الدولي M5 الذي يربط بين المحافظات الجنوبية (دمشق)، الوسطى (حمص)، والشمالية (حماة، حلب)، مما يجعله الممر الإجباري لربط المحافظات السورية. يمتد تأثيره ليشمل ممراً إقليمياً يربط الخليج العربي والأردن بتركيا وأوروبا.

افتتح الجسر رسمياً الرئيس “أحمد الشرع” في 4 حزيران 2026 بحضور عدد من المسؤولين وذلك بعد عملية تأهيل شاملة. يتميز بمواصفات ضخمة: طول إجمالي يبلغ نحو 600 متر، وارتفاع يصل إلى 100 متر فوق الوادي، وعرض 16 متراً، ويتألف من 14 فتحة. شملت أعمال التأهيل إزالة وتركيب الركائز البيتونية، وصب البلاطات، ومد قميص إسفلتي جديد، مما أعاد قدرته التحميلية العالية لاستيعاب الشاحنات الثقيلة.

لم يكن تضرر الجسر نتيجة الإهمال أو التقادم، بل تعرض لقصف ممنهج من قبل ميليشيات نظام “الأسد” البائد خلال عملية “ردع العدوان” لتحرير سوريا. فقد استهدف النظام هذا الشريان الاستراتيجي عمداً في عام 2024، في محاولة يائسة لقطع خطوط الإمداد عن مناطق التحرير، وتعطيل حركة المدنيين والقوات العسكرية المتقدمة، وإطالة أمد المعارك. جاء القصف كجزء من استراتيجية النظام البائد لتدمير البنية التحتية الحيوية كوسيلة ضغط عسكري، مما ألحق أضراراً بالغة بتركيبه الإنشائي وأوقف حركة النقل بالكامل.

يُعد الجسر شريان حياة للاقتصاد المحلي، حيث تمر عبره يومياً مئات الشاحنات المحملة بالبضائع ومواد البناء. أدى تشغيله إلى تخفيف العبء عن المسافرين عبر إلغاء التحويلات الطرقية الطويلة والوعرة، ما خفض كلف الوقود وزمن الشحن، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسعار السلع. كما يخدم ملايين المدنيين ويسهل تنقل الطلاب والموظفين بين حمص وحماة.

ركزت عملية التأهيل (2025-2026) التي أشرف عليها الدفاع المدني السوري مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على دمج الاستدامة والسلامة. جُهز الجسر بنظام إنارة هجين (كهرباء وشمسي) لضمان استمرار الإضاءة، بالإضافة إلى حواجز صدم معدنية، وإشارات عاكسة، وعواكس فوسفورية للقيادة الليلية.

لا يقتصر رمزية إعادة بناء هذا الصرح الهندسي المعقد بسواعد سورية في زمن قياسي على كونه رسالة قدرة على تجاوز آثار الحرب فحسب، بل هو أيضاً انتصار على محاولة التدمير الممنهجة التي قام بها النظام البائد خلال سنوات الثورة السورية المباركة. فتشغيل الجسر بكامل طاقته، بعد أن تعرض لقصفه عمداً لشل الحركة وإعاقة التحرير، يمثل استعادة للسيادة ورد اعتبار لإرادة الحياة. يُعد ذلك خطوة استراتيجية أولى لإنعاش الحركة التجارية البرية، وهو ركيزة سيادية واقتصادية لضمان تماسك الجغرافية السورية، ودليل ملموس على أن ما يبنيه السوريون اليوم أقوى مما هدمه النظام البائد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى