أنطاليا… حين تحاول دمشق أن تكتب سطراً جديداً في دفتر العالم

بقلم الصحفي: محمد حمدان
صحفي سوري
في أنطاليا، لا يختلط البحر بالسماء فقط، بل تختلط أيضاً رهانات الدول وهواجسها. هناك، في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، بدت الزيارة السورية كأنها محاولة هادئة لإعادة ترتيب موقع سوريا على رقعة شديدة الازدحام. لم يكن الأمر مجرد حضور، بل أقرب إلى إعلان نوايا بصوت منخفض: دمشق تريد أن تعود، ولكن بشروط الواقع لا بشعارات الماضي.
الرئيس الشرع، وهو يتحرك بين القاعات واللقاءات، لم يكن يحمل فقط ملفات السياسة، بل أثقال اقتصاد أنهكته السنوات. فالدول الخارجة من الأزمات لا تملك ترف التدرج البطيء؛ إنها تقفز مباشرة إلى السؤال الأصعب: كيف تُقنع العالم بأن الاستثمار فيها ليس مغامرة خاسرة؟
في هذا السياق، اكتسبت تركيا أهمية خاصة. ليست مجرد جار، بل بوابة محتملة، ووسيط بحكم الجغرافيا، وشريك يعرف تفاصيل الملف السوري أكثر من غيره. أنقرة التي اختبرت حدود القوة وحدود السياسة في آن، تدرك أن الاستقرار في سوريا ليس خياراً أخلاقياً فقط، بل ضرورة اقتصادية وأمنية. من هنا، بدا أن اللقاء لم يكن محكوماً بالماضي وحده، بل مشدوداً إلى حسابات المستقبل.
في الكواليس، لم تكن الكلمات عاطفية. الحديث كان عن أرقام: إعادة إعمار، استثمارات في الطاقة، شبكات نقل، مرافئ، ومناطق صناعية يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل مفاتيح إعادة إدماج سوريا في الدورة الاقتصادية الإقليمية. فالدول لا تُعاد إلى الخريطة عبر الخطابات، بل عبر المصالح التي تجعل الآخرين يراهنون عليها.
لكن الطريق ليس مفروشاً بالنيات الحسنة. فالمستثمر، بطبيعته، لا يقرأ البيانات السياسية، بل يقرأ مؤشرات الاستقرار. يسأل عن القوانين، عن الضمانات، عن المخاطر الخفية. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام دمشق: ليس في جذب الانتباه، بل في بناء الثقة. والثقة، كما يُعرف، تُبنى ببطء وتُهدم بسرعة.
في أنطاليا، كان المشهد أشبه بمحاولة فتح نافذة في جدار طويل. ليس كل من في القاعة مستعداً للدخول، وليس كل من يراقب مقتنعاً. لكن مجرد وجود سوريا في هذا الفضاء الدبلوماسي، وهي تتحدث لغة الاقتصاد، يعني أن هناك إدراكاً بأن زمن العزلة الكاملة لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
الزيارة حملت أيضاً رسالة غير معلنة: أن دمشق مستعدة للانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة. المبادرة هنا لا تعني تغييراً جذرياً فورياً، بل تعني القبول بقواعد لعبة مختلفة، حيث المصالح تتقدم على الشعارات، وحيث الاقتصاد يصبح المدخل الى السياسة، المشهد كالتالي: المنطقة لا تحب الفراغ، والدول التي تغيب طويلاً تدفع ثمناً مضاعفاً عند العودة. وسوريا، التي دفعت الكثير، تحاول الآن أن تقلّص كلفة الغياب عبر فتح أبواب الاستثمار قبل أن تُفتح أبواب السياسة بالكامل.
اللافت أن الحديث عن الاستثمارات لم يكن ترفاً، بل اعترافاً ضمنياً بأن إعادة الإعمار لم تعد مسألة داخلية فقط، بل مشروعاً إقليمياً ودولياً. فالشركات تبحث عن فرص، والدول تبحث عن نفوذ، وسوريا تقف عند تقاطع هذين المسارين. وإذا أحسنت إدارة هذا التقاطع، فقد تتحول من عبء إلى فرصة.
لكن السؤال الذي بقي معلقاً في هواء أنطاليا: هل العالم مستعد لمنح سوريا فرصة جديدة؟ أم أن الحسابات السياسية ستظل أقوى من الإغراءات الاقتصادية؟ الإجابة لم تُحسم بعد، لكنها بدأت تُطرح بصوت أعلى.
في هذه المنطقة، لا شيء يحدث دفعة واحدة. التحولات تبدأ بإشارات، بإيماءات، بلقاءات قد تبدو عابرة لكنها تحمل في طياتها ما هو أعمق. في أنطاليا، حاولت دمشق أن تقول إنها جاهزة لكتابة فصل جديد، حتى لو كان الحبر لا يزال خفيفاً.
الطريق طويل، والعقبات كثيرة، لكن الدول التي تُجيد قراءة اللحظة تعرف متى تطرق الأبواب. وسوريا، في هذه الزيارة، لم تدّعِ أنها عادت بالكامل، بل اكتفت بخطوة أولى: أن تُسمع صوتها في قاعة مزدحمة، وأن تلمّح للعالم بأن تحت الركام فرصاً تنتظر من يجرؤ على الاقتراب.


