من صنعاء إلى بغداد.. هل بدأت حرب المحاور؟

إعداد الصحفي: رياض الخطيب
13 أيلول/سبتمبر 2026
لم يعد المشهد في المنطقة مجرد مواجهة بين الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية، ولا مجرد جولة جديدة من التصعيد بين جماعة أنصار الله والمملكة العربية السعودية فخلال الأيام الأخيرة بدأت خريطة الصراع تتغير بصورة لافتة، وأخذت الجبهات تتداخل بطريقة تجعل من الصعب النظر إلى ما يجري في اليمن والعراق والخليج باعتباره ملفات منفصلة.
في اليمن يتقدم الحوثيون على الساحل الغربي ويقتربون من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تتعرض السعودية في الوقت نفسه لهجمات على منشآت حيوية، كان آخرها استهداف خط أنابيب الشرق الغرب بطائرات مسيّرة قالت الرياض إن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية، في وقت تعيش فيه بغداد أصلاً واحدة من أكثر مراحلها حساسية مع اقتراب الموعد المحدد لحصر السلاح بيد الدولة.
هنا تحديداً تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
فالرياض لا تواجه جبهة واحدة، وبغداد لم تعد قادرة على التعامل مع قضية الفصائل المسلحة باعتبارها شأناً داخلياً فقط، فيما تجد إيران أن شبكة حلفائها في المنطقة باتت أمام اختبار جديد، في حين تتحرك تركيا وباكستان سياسياً وأمنياً في محاولة لمنع اتساع دائرة النار.
وفي اليمن يبدو أن الهدوء الهش الذي ساد منذ سنوات قد وصل إلى نهايته الفعلية فالقوات الحكومية المدعومة من السعودية تخوض معارك عنيفة مع الحوثيين، الذين حققوا خلال الأيام الماضية تقدماً مهماً على الساحل الغربي، ووصلوا إلى جزيرة ميون الاستراتيجية عند مدخل باب المندب، في تطور يحمل دلالات تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
فمن يسيطر على باب المندب لا يملك مجرد موقع عسكري متقدم، وإنما يمسك بجزء من معادلة التجارة والطاقة العالمية والممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي يمثل شرياناً أساسياً لحركة السفن بين آسيا وأوروبا، ولذلك فإن أي تغيير في ميزان القوى هناك لا يمكن أن يبقى شأناً يمنياً خالصاً.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن السعودية، التي حاولت خلال السنوات الماضية تقليل اعتمادها على مضيق هرمز من خلال تطوير طرق بديلة لنقل صادراتها النفطية، تجد اليوم أن الطريق البديل نفسه بات مهدداً.
ففي الوقت الذي يضغط فيه الحوثيون على باب المندب، تعرض خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي لهجوم بطائرات مسيّرة وأعلنت المملكة إغلاقه مؤقتاً كإجراء احترازي الخط، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر ويربط حقول النفط في شرق المملكة بساحل البحر الأحمر، يمثل أحد أهم البدائل الاستراتيجية أمام السعودية في حال تعرض الملاحة عبر مضيق هرمز للخطر.
لكن ما يجعل الحادثة أكثر حساسية ليس استهداف المنشأة بحد ذاته، وإنما الجهة التي قالت الرياض إن المسيّرات انطلقت من أراضيها العراق.
وهنا تنتقل القصة من البحر الأحمر إلى بغداد.
منذ أشهر تحاول الحكومة العراقية فرض معادلة جديدة تقوم على حصر السلاح بيد الدولة، في وقت تتمسك فيه فصائل مسلحة قريبة من إيران، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء، بسلاحها وترفض تسليمه بالشكل الذي تطالب به الحكومة. وتزداد صعوبة المهمة مع اقتراب 30 أيلول/سبتمبر، الموعد الذي ارتبط بعملية إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وقد لا يكون من المصادفة أن يأتي التصعيد السعودي في هذه اللحظة بالذات، لكن من الخطأ أيضاً القفز إلى استنتاج أن جميع ما يجري في اليمن والعراق يدار بالضرورة من غرفة عمليات واحدة.
هذه نقطة يجب التوقف عندها
فوجود فصائل عراقية مرتبطة بإيران، ووجود الحوثيين كحليف لطهران، لا يعني تلقائياً أن كل عملية عسكرية ينفذها طرف منهما هي قرار إيراني مباشر. لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن إيران تمتلك شبكة واسعة من القوى الحليفة لها في المنطقة، وأن هذه الشبكة تمنحها قدرة على الضغط على خصومها من أكثر من ساحة في الوقت نفسه.
وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة.
فإذا كان الحوثيون يضغطون على السعودية من اتجاه اليمن والبحر الأحمر، فإن تعرض منشأة سعودية لهجوم من الأراضي العراقية يعني أن الرياض قد تجد نفسها أمام ضغط من اتجاه آخر أيضاً.
وبالنسبة إلى بغداد فإن المسألة تصبح أكثر إحراجاً.
فالحكومة العراقية تريد أن تقول إنها صاحبة القرار الأمني والعسكري داخل البلاد لكن استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجوم على منشأة سعودية يضع هذا الادعاء أمام اختبار حقيقي.
ولهذا جاء التحرك العراقي سريعاً مع فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات أمنية، في وقت أعلنت فيه السعودية أنها لن تتسرع في الرد، وأنها أعطت بغداد مساحة للتحرك، مع احتفاظها بحقها في الدفاع عن أمنها ومصالحها.
وهذا الموقف السعودي يحمل دلالة مهمة.
فالرياض لا تبدو راغبة في فتح جبهة مباشرة مع العراق، ولا في تحويل الهجوم إلى أزمة بين دولتين عربيتين، خصوصاً أن بغداد نفسها تواجه معركة صعبة مع الفصائل المسلحة.
لكن في المقابل لن يكون من السهل على السعودية أن تقبل بأن تتحول الأراضي العراقية إلى منصة لاستهداف منشآتها الحيوية.
وهنا يعود موعد 30 سبتمبر إلى الواجهة.
فإذا كانت الحكومة العراقية جادة فعلاً في حصر السلاح بيد الدولة، فإن الهجمات الأخيرة تجعل المهمة أكثر إلحاحاً. أما إذا انتهت المهلة من دون تغيير حقيقي في وضع الفصائل، فقد تجد بغداد نفسها أمام سؤال أكبر من مسألة السلاح نفسه: من يملك قرار الحرب والسلم في العراق؟
وهذا سؤال لا يخص العراق وحده.
فواشنطن تراقب.
والرياض تراقب.
وطهران تراقب.
والفصائل العراقية تراقب.
وكل طرف ينتظر ليرى إلى أي مدى تستطيع الحكومة العراقية الذهاب في هذا الملف.
وفي الجهة الأخرى من المشهد لا يبدو أن الحوثيين يتراجعون.
بل إن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الجماعة تحاول استثمار اللحظة الإقليمية لتحقيق مكاسب استراتيجية على الأرض وفي البحر. السيطرة على ميون، والتقدم على الساحل الغربي، والضغط على الملاحة، كلها أوراق يمكن أن تمنح الحوثيين قدرة أكبر على التفاوض مستقبلاً، حتى لو لم يتمكنوا من تحقيق انتصار عسكري كامل داخل اليمن.
وهنا تكمن خطورة المعركة الحالية.
فالهدف ليس بالضرورة السيطرة على السعودية أو إسقاط الحكومة اليمنية، وإنما رفع كلفة الحرب على الخصم إلى الحد الذي يجبره على إعادة حساباته.
وبالنسبة للسعودية فإن الخطر لا يتعلق فقط بالصواريخ أو المسيّرات التي يمكن اعتراض بعضها، وإنما بتحول طرق الطاقة والتجارة نفسها إلى أوراق ضغط.
خط أنابيب الشرق-الغرب مصمم أساساً لتجاوز مضيق هرمز، لكن إذا كان هرمز تحت الضغط من جهة، وباب المندب تحت ضغط الحوثيين من جهة أخرى، ثم أصبح الخط البري الذي يصل بين شرق المملكة والبحر الأحمر معرضاً للهجمات، فإن الرياض تواجه معادلة شديدة التعقيد.
إنها ببساطة مشكلة طرق
كيف تصدر السعودية النفط إذا أصبحت الطرق البحرية والبرية البديلة كلها معرضة للخطر؟
وهذا السؤال لا يهم الرياض وحدها.
إنه سؤال يهم الأسواق العالمية أيضاً.
فالاضطراب الأخير دفع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف متزايدة من تأثير اتساع الصراع على إمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية.
ولهذا فإن ما يحدث في اليمن لم يعد مجرد حرب أهلية أو نزاع داخلي.
لقد أصبح جزءاً من معادلة الطاقة العالمية.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي المتزايد بالمشهد، وكذلك التحركات السعودية نحو شركائها الإقليميين.
فالسعودية لا تريد العودة إلى سنوات الحرب الطويلة في اليمن، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تسمح بتحول باب المندب إلى ورقة ضغط دائمة ضدها.
وفي هذه النقطة تحديداً تظهر تركيا وباكستان.
فالتواصل التركي السعودي لم يعد مجرد علاقة ثنائية منفصلة عن التطورات الإقليمية. فقد بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان التطورات الإقليمية والجهود المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار، في ظل ترتيبات دفاعية وسياسية جديدة بين البلدين.
أما باكستان فتجد نفسها أمام معادلة أكثر حساسية بعدما دخل اسمها بقوة في ترتيبات الدفاع والأمن المرتبطة بالسعودية وتركيا.
لكن لا يبدو أن إسلام آباد تريد التوجه مباشرة إلى حرب جديدة.
وهذا مهم
فوجود ترتيبات دفاعية لا يعني بالضرورة أن الجيش الباكستاني سيذهب إلى اليمن، كما أن التواصل التركي السعودي لا يعني أن أنقرة تستعد لإرسال قوات إلى ساحة المعركة.
الأقرب أن الدولتين تحاولان بناء مظلة سياسية وأمنية تمنع تحول التصعيد إلى حرب إقليمية مفتوحة.
لكن المشكلة أن الأزمات الإقليمية لا تسير دائماً وفق الحسابات التي تضعها الدول.
فخطأ واحد في التقدير قد يفتح جبهة جديدة.
ضربة توقع خسائر كبيرة.
رد عسكري غير محسوب.
عملية تنفذها فصيلة مسلحة من دون قرار حكومي.
سفينة تجارية تصاب في البحر الأحمر.
أو هجوم جديد على منشأة نفطية.
كل واحد من هذه الاحتمالات قادر على تغيير قواعد اللعبة.
ولهذا فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة.
ليس فقط بالنسبة إلى اليمن والسعودية، وإنما بالنسبة إلى العراق أيضاً.
فالحكومة العراقية تقف أمام امتحان صعب: هل تستطيع بالفعل فرض قرار الدولة على الفصائل المسلحة، أم أن التوازنات الداخلية والإقليمية ستدفعها إلى تسوية جديدة؟
والفصائل بدورها أمام سؤال لا يقل صعوبة: هل تتخلى عن جزء من سلاحها في هذه المرحلة، أم ترى أن التخلي عنه في ظل التصعيد الإقليمي سيجعلها أكثر عرضة للضغط؟
أما إيران، فتجد نفسها أمام معادلة مختلفة.
فكلما ارتفع مستوى الضغط على حلفائها، ارتفعت قدرتها على استخدام هذه الأوراق للتفاوض، لكن في الوقت نفسه يزداد خطر أن يتحول التصعيد غير المباشر إلى مواجهة مباشرة لا تستطيع طهران التحكم بمسارها.
وهنا ربما تكمن أخطر نقطة في المشهد كله.
أن المشكلة ليست في وجود جبهة واحدة مشتعلة، وإنما في احتمال أن تبدأ الجبهات بالتفاعل مع بعضها.
اليمن يؤثر في السعودية.
السعودية تضغط على العراق سياسياً.
العراق يحاول ضبط الفصائل.
الفصائل مرتبطة بعلاقات مع إيران.
إيران تملك نفوذاً في اليمن والعراق.
تركيا وباكستان تتحركان إلى جانب السعودية.
والولايات المتحدة تراقب المشهد وتحاول تحديد حجم تدخلها.
كل ذلك يحدث في منطقة لا تحتاج إلى كثير من الشرارة حتى تشتعل.
ولهذا، فإن الحديث عن “حرب محاور” ربما يكون مبكراً إذا قصدنا به حرباً شاملة معلنة بين معسكرين واضحين.
لكن الحديث عن تشكّل معادلة محاور إقليمية جديدة لم يعد مجرد سيناريو بعيد.
فالمؤشرات موجودة.
والجبهات تتقاطع.
والأسلحة المستخدمة لم تعد محصورة في ساحة واحدة.
والاقتصاد العالمي بدأ يشعر بارتدادات المعركة.
ويبقى العراق الحلقة الأكثر حساسية في هذه السلسلة، لأن 30 سبتمبر يقترب.
قد تنجح بغداد في احتواء الملف.
وقد تصل إلى صيغة وسطية مع الفصائل.
وقد يتم تأجيل الموعد أو إعادة تفسيره.
لكن إذا فشلت الدولة العراقية في فرض سلطتها، واستمرت الهجمات المنطلقة من أراضيها، فإن الضغط السعودي والدولي عليها سيزداد بلا شك.
وعندها قد يصبح السؤال مختلفاً تماماً:
ليس هل ستسلّم الفصائل سلاحها؟
بل هل تستطيع الدولة العراقية أن تكون صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم؟
وفي اليمن، يبقى السؤال الآخر مفتوحاً:
هل يستطيع الحوثيون تحويل سيطرتهم على مناطق استراتيجية قرب باب المندب إلى ورقة تفاوضية طويلة الأمد، أم أن السعودية والقوات الحكومية اليمنية ستتمكن من قلب المعادلة قبل أن يترسخ هذا الواقع؟
حتى الآن لا توجد إجابة نهائية.
لكن المؤكد أن المشهد لم يعد كما كان قبل أسابيع.
فالحوثي يتقدم على واحدة من أهم بوابات العالم البحرية، والسعودية تواجه تهديداً على منشآت الطاقة وطرق التصدير، والعراق يدخل مرحلة اختبار حقيقية مع اقتراب 30 سبتمبر، فيما تتحرك تركيا وباكستان سياسياً وأمنياً، وتراقب الولايات المتحدة وإيران تطورات المشهد بحذر شديد.
ولهذا فإن الأيام القادمة قد تكون أهم من الأسابيع الماضية.
فأي ضربة جديدة، وأي هجوم على منشأة حيوية، وأي تطور في باب المندب، وأي قرار عراقي بشأن الفصائل المسلحة، يمكن أن يدفع المنطقة خطوة أخرى نحو التصعيد.
وربما يكون ما نراه اليوم مجرد بداية لمسار أكبر.
ليس بالضرورة حرباً شاملة.
لكن بالتأكيد مرحلة جديدة من صراع النفوذ، تتداخل فيها الجغرافيا بالسلاح، والطاقة بالأمن، واليمن بالعراق، والسعودية بإيران، وتدخل فيها تركيا وباكستان على خط معادلة تبدو مرشحة لأن تصبح أكثر تعقيداً خلال المرحلة المقبلة.
30 سبتمبر يقترب، وباب المندب يشتعل، وخطوط الطاقة أصبحت جزءاً من المعركة.
ويبقى السؤال:
هل تستطيع العواصم الإقليمية احتواء هذه النار قبل أن تنتقل من جبهة إلى أخرى، أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من حرب المحاور؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف الإجابة والله أعلم.


