مقالات الرأي

بوصلة الاقتصاد العالمي الجديد: لماذا تظل “البوابة السورية” حتمية جغرافية لا تُستبدل؟

جهاد بكورة
رجل أعمال سوري

هل كان العالم بحاجة إلى هزة اقتصادية عنيفة أنتجتها الحروب لكي يدرك حدود الهيمنة الحضارية والصناعية العابرة للقارات؟ حين أمسكت بقلمي لأكتب هذا التحليل، أردت تجريده من العواطف وصياغة قراءة اقتصادية جافة. لكنني وجدت نفسي محاصراً بمشاعر مختلطة بين طعم الانتصار وقلق الخوف؛ مشاعر لم تُفقد التحليل حياديته الرقمية، بل زودته برؤية واقعية تقرأ ما وراء الأحداث. تكمن الحقيقة اليوم في أن الفكر المضاد لسورية، والذي حاول عبر آلاف السنين تحييدها أو احتلالها، قد فشل؛ والسبب ليس عسكرياً فحسب، بل لأن الحاجة الدولية لسيادة اقتصادية تتحكم بأوراق اللعب، أعادت فرض المكان الاستراتيجي لسورية كحتمية لا يمكن تجاوزها.

لفترة طويلة، ظنّ صنّاع القرار أن مضيق هرمز أو مسارات بديلة هي مفاتيح السيطرة الوجودية. لكن التجربة الاقتصادية المعاصرة في الخليج وإيران أثبتت أن محاولات “استبدال البحر ببحيرة اصطناعية” عبر الالتفاف على الجغرافيا الطبيعية كانت نتائجها كارثية ومكلفة للمال التجاري العالمي. بناءً على هذا، لا يمكن تحييد الشريان السوري الأساسي في شبكة المواصلات والاتصال الدولي أكثر من ذلك؛ واليوم، يتضح أن البوصلة الحقيقية للاقتصاد العالمي والازدهار القادم ليست طريق الحرير التقليدي ولا مضيق هرمز، بل هي “البوابة السورية”.

هذا التحول الجذري في السياسات العالمية لم يأتِ من فراغ؛ فالإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب—وهو رجل اقتصاد من الدرجة الأولى لا يؤمن إلا بلغة الأرقام الصارمة ولا يقدم دعاءً سياسياً بالمجان—تتحرك بناءً على دراسات دقيقة أعدها نشطاء الاقتصاد والخبراء الأمريكيون. هذه التقارير أكدت بدقة تتجاوز 100% أن الاستثمار في هذا الموقع سيجني عوائد تضاعف ما بُذل فيه. وبناءً على هذه الأرقام، تتبدل التحالفات وتتغير الخطوط، رغم الممانعة الشديدة من أطراف إقليمية من حولنا حاولت بكل قوتها منع عودة سورية إلى الساحة الدولية.

اليوم، يتحدث العالم بلغة المصالح الجافة: استخراج النفط، استثمار المعادن الثمينة، وإطلاق طرق الترانزيت الكبرى. سورية حالياً هي وجهة كل من يبحث عن الربح الحقيقي؛ إنها أرض خصبة لزراعة بذور استثمارية قادرة على إنبات صروح اقتصادية عملاقة تشمل كل القطاعات “من الإبرة إلى الخيط”. إن عودة حق سورية ومكانتها التاريخية، والتي طمح إليها الجميع عبر العصور، تصبح اليوم أمراً واقعاً تفرضه الجغرافيا الاقتصادية لا الأمنيات.

الازدهار القادم نحو البوابة السورية بات حتمياً؛ ولم يعد مطلوباً منا اليوم سوى أمرين حاسمين: أولاً، الإدراك التام لمتغيرات هذه المرحلة الحساسة. وثانياً، امتلاك الإدارة المهنية العالية والتقسيم العادل للموارد والفرص، لضمان تحويل هذا الموقع الاستراتيجي إلى نهضة مستدامة تليق بالتضحيات، وتضع سورية في مكانها الطبيعي كمحرك أول للاقتصاد بين الشرق والغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى