مقالات الرأي

سبتة… عندما يتحول الإنسان إلى ورقة مساومة

داماس بوست: 2-8-2026

بقلم الصحفي: عمر محمد عمر

في سبتة، لا تتوقف المأساة عند حدود الهجرة غير النظامية، ولا تبدأ عند الأسلاك الشائكة التي تفصل المغرب عن إسبانيا.

فهناك، على ضفاف المتوسط، يتحول الإنسان إلى ورقة تفاوض، ويصبح جسده الثمن الذي تُدار به صفقات السياسة، بينما يواصل البحر ابتلاع أحلام الفقراء بصمت.

في غضون ساعات، تدفقت أعداد هائلة من المهاجرين نحو المدينة الإسبانية، بينهم آلاف الأطفال والنساء والشبان الذين لم يحملوا معهم سوى حلم الوصول إلى الضفة الأخرى.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا هاجروا؟ بل: لماذا حدث ذلك الآن؟ ومن المستفيد من انفجار المشهد بهذه الصورة؟
من الصعب تفسير ما جرى باعتباره مجرد انهيار مفاجئ للرقابة على واحدة من أكثر الحدود حساسية في البحر المتوسط. فالمشهد يوحي بأن الأزمة تجاوزت بعدها الإنساني لتصبح جزءاً من لعبة سياسية وإقليمية أعقد، تتداخل فيها حسابات الرباط ومدريد وبروكسل، وتتقاطع مع ملفات الأمن والطاقة والهجرة.

ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها سبتة إلى ساحة رسائل سياسية. فقد سبق أن شهدت المدينة أزمة مشابهة عام 2021، عندما تصاعد التوتر بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو.

واليوم، تبدو الأزمة وكأنها تعود في ظروف أكثر تعقيداً، وسط تنافس إقليمي محتدم، وعلاقات متقلبة بين المغرب والجزائر، وضغوط أوروبية متزايدة حول أمن الحدود.

ما يهم أوروبا في نهاية المطاف ليس أسباب الهجرة بقدر ما يهمها وقفها. ولهذا أصبحت دول جنوب المتوسط، وفي مقدمتها المغرب، شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه في إدارة هذا الملف. وكلما ازدادت حاجة أوروبا إلى من يحرس حدودها الجنوبية، ازداد الوزن السياسي للدول التي تمسك بمفاتيح تلك الحدود.

في المقابل، تواجه الحكومة الإسبانية اختباراً بالغ الصعوبة.

فهي مطالبة بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه مطالبة باحترام التزاماتها الإنسانية والقانونية.

وبين هذين المسارين، تجد مدريد نفسها تحت ضغط داخلي وخارجي، في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

ولا يمكن تجاهل أن هذه الأزمة تأتي في وقت اتخذت فيه الحكومة الإسبانية مواقف لافتة تجاه الحرب في غزة، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى الربط بين تصاعد الضغوط السياسية التي تواجهها مدريد وبين مواقفها الخارجية. غير أن مثل هذه الروابط تبقى في إطار التحليل السياسي، ولا توجد أدلة معلنة تثبت وجود تنسيق بين هذه الملفات.

لكن، بعيداً عن كل الحسابات، يبقى المستفيد الأكبر واضحاً: اليمين المتطرف الأوروبي. فكل أزمة هجرة تمنحه مادة جديدة لتغذية خطابه القائم على التخويف من المهاجرين، والدعوة إلى تشديد الحدود، وتحميل الحكومات مسؤولية ما يجري. ومع كل قارب يصل إلى السواحل الأوروبية، يقترب هذا التيار أكثر من صناديق الاقتراع.

أما الخاسر الحقيقي، فهو الإنسان الذي لا يجد مكاناً له في كل هذه الحسابات. الشاب الذي غادر منزله بحثاً عن فرصة حياة، والطفل الذي وجد نفسه بين الأمواج، والأم التي فقدت أبناءها على الحدود. هؤلاء لا مكان لهم في البيانات السياسية، ولا في المؤتمرات الصحفية، إلا بوصفهم أرقاماً تُضاف إلى قوائم الضحايا.

لقد تحولت الهجرة إلى واحدة من أخطر أدوات الضغط في العلاقات الدولية. وأصبحت الحدود تُفتح أحياناً وتُغلق أحياناً أخرى وفق ميزان المصالح، فيما يبقى الإنسان هو الوقود الدائم لهذه الصراعات.

سبتة اليوم ليست مجرد مدينة حدودية، بل مرآة تعكس أزمة أعمق؛ أزمة عالم بات يتعامل مع البشر بوصفهم أدوات تفاوض، لا أصحاب حقوق. وفي كل مرة تتغلب فيها الحسابات السياسية على القيم الإنسانية، يثبت البحر المتوسط أنه لم يعد يفصل بين قارتين فحسب، بل بين عالم يملك القرار، وآخر لا يملك سوى أن يدفع الثمن.

ويبقى السؤال الذي يطارد الجميع: كم إنساناً آخر يجب أن يموت حتى تدرك الحكومات أن أمن الحدود لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الكرامة الإنسانية، وأن استقرار الدول لا ينبغي أن يكون رهناً بأجساد الفقراء وأحلامهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى