التقارير الإخباريةمحلي

مجلس الأمن يعقد جلسة إحاطة مفتوحة حول الأوضاع السياسية والإنسانية في سوريا

عقد مجلس الأمن الدولي اليوم، 15 مايو 2026، برئاسة الصين، جلسة إحاطة مفتوحة تلتها مشاورات مغلقة خُصصت لبحث الأوضاع السياسية والإنسانية في سوريا، التي تمر بمرحلة انتقالية دقيقة بعد أشهر من تولي الحكومة الجديدة مقاليد الحكم. وأكد كبار مسؤولي الأمم المتحدة أن سوريا تسير في “مسار تعاف هش ولكنه ثابت”، وسط تحديات داخلية وخارجية كبيرة.

أولاً: الملف السياسي
في مستهل الجلسة، أكد نائب المبعوث الخاص إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، أن مسار العدالة في سوريا بدأ يتحقق أخيراً بعد سنوات طويلة من النزاع، معرباً عن تضامنه الكامل مع الضحايا والناجين من الجرائم الفظيعة. وأشار “كوردوني” إلى وجود “تقدم مستمر نحو المساءلة” بالتزامن مع تزايد الانخراط الدولي والإقليمي في الشأن السوري، مرحباً بجهود اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية لإعداد مسودة قانونية لعملية شاملة.

كما نوّه المسؤول الأممي بالعودة المنظمة للنازحين إلى مناطق مثل عفرين والحسكة والقامشلي، لكنه حذّر في الوقت نفسه من استمرار التوترات والصعوبات الاقتصادية التي تعرقل الاستقرار، خاصة في محافظة السويداء التي تشهد احتجاجات وانعدام استقرار أمني وسياسي.

علبي: سوريا انتقلت من المأساة إلى الفرصة

في كلمة لافتة، أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، أن “مسار العدالة الانتقالية ماضٍ بوصفه أحد أعمدة سوريا الجديدة، فقد بدأت المحاكمات العلنية لعدد من مرتكبي الانتهاكات الجسيمة بحق السوريين والسوريات”. وكشف عن إنجاز غير مسبوق، حيث “حققت سوريا في عام 2026 أكبر ارتقاء عالمي على مؤشر حرية الصحافة في تاريخ التصنيف، متقدمة 36 مرتبة”.

وأضاف علبي أن “خطوات استكمال بناء المؤسسات الوطنية تتواصل”، مشيراً إلى أن اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أصدرت القائمة النهائية للجان الفرعية في محافظة الحسكة، “في خطوة إضافية على طريق الحياة السياسية والمؤسساتية”.

وفي شأن عودة النازحين، كشف علبي عن رقم مهم: أكثر من 3 ملايين و500 ألف لاجئ ومهجر عادوا إلى سوريا، وسط مواصلة جهود إنهاء ملف النزوح الداخلي.

الاستثمارات الكبرى والاندماج الاقتصادي

قال علبي: “سوريا الجديدة فتحت أبوابها أمام استثمارات بمليارات الدولارات، في انتقال واضح من مرحلة التعافي إلى مرحلة الشراكات الاستراتيجية”. وتفصيلاً، أوضح أن البلاد شهدت “انعقاد المنتدى الاستثماري السوري الأول”، مشيراً إلى أن “مشروع الاستثمار البحري مع شركتي شيفرون وUCC انتقل إلى مسار التنفيذ الفعلي”، كما تم “توقيع مذكرة تفاهم مع توتال إنرجي وقطر للطاقة وكونكو فيليبس لاستكشاف البلوك البحري قبالة السواحل السورية”.

وفي مجال التحول الرقمي، أعلن عن “إطلاق أول تجربة للدفع الإلكتروني بالتعاون مع فيزا وماستركارد، بما يعزز اندماج سوريا بالاقتصاد العالمي الذي انقطع لعقود”.

التحذير من التحديات

لم يغفل علبي التحديات، فأدان استمرار “سياسات إسرائيل العدوانية وخرق القانون الدولي واتفاق فض الاشتباك”، محذراً من أن “سوريا لا تزال تواجه تحديات إرهابية”، حيث استشهد جنديان وأصيب آخرون بهجوم لداعش في ريف الحسكة، كما أحبطت الحكومة “مخططاً كبيراً وفككت خلية مرتبطة بميليشيا حزب الله كانت تخطط لعمليات واغتيالات”.

واختتم علبي كلمته برسالة سياسية قوية: “انتقلت سوريا من موقع المأساة إلى موقع الفرصة. سوريا الجديدة تكتب قصتها بيد أبنائها وبناتها، وتدعو العالم لا ليكتبها عنها، بل ليكون شريكاً داعماً في عدالة تنجز، واستقرار يترسخ، وكرامة تصان، وازدهار يبنى”.

إدانة التوغل الإسرائيلي

في تطور لافت، أدان “كوردوني” التوغل الإسرائيلي والقصف في محافظتي القنيطرة ودرعا، واصفاً إياها بأنها انتهاكات صريحة لسيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، داعياً إلى احترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. وكرر مندوب تركيا التأكيد على أن “سوريا تتجه نحو الاستقرار على الرغم من التوترات والاعتداءات الإسرائيلية”.

ثانياً: الملف الإنساني

حذّر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، “توم فليتشر” من أن سوريا تمر بلحظة حرجة. ورغم وصفه التقدم الحاصل بأنه “حقيقي”، شدد على أنه “لا يزال غير كافٍ”، مشيراً إلى أن التمويل الإنساني يتراجع بينما الاحتياجات في تصاعد، حيث خفض برنامج الغذاء العالمي مساعداته الطارئة بنسبة 50%.

أضاف “فليتشر” أن عودة النازحين إلى مناطقهم، وهي ظاهرة تعكس تحسناً نسبياً، تزيد الضغوط على الخدمات والبنية التحتية وسبل المعيشة. كما كشف عن تفاقم الأزمة بسبب إغلاق مضيق “هرمز” الذي رفع تكاليف الغذاء والوقود، بالإضافة إلى الأضرار الواسعة التي سببتها الفيضانات الأخيرة في الطرق والجسور والأراضي الزراعية. وشدد على ضرورة إزالة الذخائر غير المنفجرة التي تشكل تحدياً كبيراً لعودة المهجرين.

كما أكد المندوب الروسي على ضرورة إيصال المساعدات بالتنسيق مع الحكومة السورية، مشيراً إلى أن نصف البنية التحتية للمياه في سوريا متضرر أو خارج الخدمة، كما أن النظام الصحي يعاني نقصاً حاداً في المعدات والأدوية والكوادر.

ثالثاً: مواقف الدول الأعضاء

· الولايات المتحدة: أشادت ممثلتها بالجهود التي أدت لتوقيف أفراد من نظام “الأسد” البائد، مؤكدة وقوف الرئيس ترامب إلى جانب الشعب السوري في دعم سيادة القانون.
· بريطانيا وفرنسا: رحبتا ببدء محاكمة شخصيات النظام البائد، معتبرتين ذلك “تطوراً مهماً” في المسار القضائي. كما أشادت فرنسا بعودة اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي لإعادة دمج سوريا اقتصادياً، داعية إلى “الانتقال من المساعدات الإنسانية إلى نموذج تنموي أكثر استدامة”.
· البحرين: أكد مندوبها دعم كل الجهود الرامية لتعزيز أمن واستقرار سوريا والحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها، مخصّاً بالذكر الجهود السورية في مجال مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والأسلحة والتصدي لمحاولات زعزعة الاستقرار.
· الصين: قال مندوبها إن سوريا تواجه “مهمة صعبة” تتمثل بإعادة الإعمار بعد سنوات من الدمار، داعياً الأسرة الدولية إلى دعم الاستقرار فيها وزيادة المساعدات الإنسانية والتنموية لضمان عودة اللاجئين.
· تركيا: أكد مندوبها أن “النتائج الإيجابية الأولى” للجهود الهادفة إلى دعم تعافي سوريا الاقتصادي بدأت تظهر، مشيراً إلى أن إعادة البنية التحتية الأساسية هي من المتطلبات الطارئة لاستقرار سوريا.
· لاتفيا: أشادت بجهود الحكومة السورية في استعادة مكانة سوريا على الساحة الدولية، وبذل أقصى جهدها لإنعاش اقتصادها.
· اليونان: أكدت الدعم الكامل للرؤية الطموحة لسوريا لتنعم بالسلام، مجددة دعمها لسيادتها ووحدة أراضيها.
· ليبيريا: جددت التأكيد على أن الجولان السوري المحتل يبقى جزءاً لا يتجزأ من سوريا، داعية إلى تعزيز الاستقرار عبر الحوار وتوسيع التوعية بمخاطر الألغام.
· باكستان: أعربت عن إعجابها بخطوات الشعب السوري، معتبرة أن عودة اللاجئين تعكس “تجدد الثقة وبداية مرحلة تعافٍ تدريجي”.

تواجه سوريا الجديدة مفارقة كبيرة: فبينما يشيد المجتمع الدولي بتقدم مسار العدالة وعودة الاستقرار النسبي لمناطق واسعة، ويعلن المندوب السوري عن إنجازات كبرى في مجال الاستثمار وعودة اللاجئين وحرية الصحافة، يحذر مسؤولو الأمم المتحدة من انهيار الاستجابة الإنسانية بسبب شح التمويل وتداعيات التوترات الإقليمية.

ورغم التفاؤل الرسمي السوري والإشادات الدولية المتزايدة، تبقى التحديات الأمنية (داعش وحزب الله)، والعدوان الإسرائيلي المستمر، والاحتياجات الهائلة لإعادة الإعمار، عقبات كبيرة أمام استكمال مسار التعافي. ويبقى السؤال: هل ستتمكن سوريا من تحويل “لحظة الفرصة” إلى استقرار دائم يليق بتضحيات شعبها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى