من القسطنطينية إلى دمشق حين تتكرر سنن الفتح..

من القسطنطينية إلى دمشق حين تتكرر سنن الفتح..
فراس السقال
يقف التاريخ المعاصر بذهول أمام التحوّل الجذري الذي شهده المشهد السوري في ديسمبر 2024. فخلف الحسابات العسكرية التقليدية، نجد أنفسنا أمام “تطابق قدري” مذهل يُعيد للأذهان فتح القسطنطينية عام 1453م. فبينما دخل السلطان محمد الفاتح مدينته الموعودة في 20 جمادى الأولى عام 857هـ، كانت دمشق على موعد مع فجر جديد في 22 جمادى الأولى عام 1446هـ. هذا التقارب الزمني الفريد يفتح الباب للتأمل في سنن التمكين التي لا تتخلف حين تصدق النوايا وتُبذل الأسباب.
صراع النفَس الطويل بين الصبر والإعداد
لم يكن أيّ من الفتحين وليد المصادفة، بل كانا ثمرة سنوات من “الصبر الاستراتيجي”. فالسلطان محمد الفاتح لم يبدأ حصاره إلا بعد رحلة مُضنية من الإعداد الهندسي وصنع “المدفع السلطاني” العملاق، مؤمناً بأنّ الأدوات التقليديّة لا تفتح المدن المستعصية. وفي المقابل، نجد أنّ التحوّل في سورية سُبق بسنوات من الإعداد النوعي الصامت، فبينما كان العالم يظن الجمود مستمراً، وأنّ المجاهدين خلعوا لباس الحرب ووضعوا أسلحتهم، كانت غُرف العمليات في إدلب تُجري التجارب المتكررة على “مُسيّرات شاهين” وتطوّر تكتيكات الأنفاق. إنّ هذا التشابه في عقلية التصنيع والابتكار يؤكّد أنّ النصر يُصنع في سنوات الانتظار قبل أن يتحقق في ساعة الحسم.
قهر المستحيل تحطيم المعوّقات
تشابهت العوائق التي واجهت القائدَين في كونها عوائق “مُركّبة” تتجاوز العتاد العسكري إلى تحديات الجغرافيا والتقنية. فكما واجه الفاتح “السلسلة الحديدية” وتفوّق الأسطول البيزنطي، واجه المجاهدون في سورية عوائق “صلبة” تمثّلت في تحصينات دفاعية جبلية هائلة، وعلى رأسها “جبل زين العابدين“ في حماة، الذي كان يُنظر إليه كقلعة مستحيلة السقوط في ظل تفوق الخصم جويّاً واستطلاعيّاً.
هنا تجلت عبقرية القيادة في الحالتين، فلم يكن تجاوز هذه التحديات رهين كثرة العتاد، بل رهين الابتكار والمرونة. فكما كسر الفاتح قيد “السلسلة” بنقل السفن براً، كُسرت هيبة دفاعات النظام البائد والجبال المحصنة بتكتيكات المباغتة، واستثمار الظروف الجوية (كالضباب)، واستخدام “المسيّرات” كمعادل حديث لمدافع الفاتح، مما أثبت أن العقل المبدع قادر على تحويل العوائق إلى معابر.
في رحاب البركة النبوية
ثمّة رابط روحي عميق يجمع بين التجربتين، فكِلا القائدين تحرّك في ظلال “البركة النبوية”. فقد نال السلطان محمد الفاتح شرف البشارة في الحديث المشهور: “لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها”. أمّا في المشهد السوري، فإن البركة تتجلى في “أرض الشام” التي دعا لها النبي ﷺ بالبركة مراراً. هذا المدد الروحي تجسّد في يقين القيادة الذي نلمسه في رمزيّة لإنشاء منبراً للجامع الأموي الذي أُعدّ منذ سنوات انتظاراً لهذه اللحظة، في استحضار لنهج الملك العادل “نور الدين زنكي” ومنبره الموعود للأقصى.
أخلاق الفاتحين مسؤولية التحرير
عند لحظة الدخول، برز الاختبار الحقيقي في “أخلاق الفاتحين”. فكانت رسائل الطمأنة لجميع المكونات، والعفو عمن ترك سلاحه، والحرص على المؤسسات والبُنى التحتية، تجسيداً للمبدأ النبوي الخالد: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. إنّ التوجيه باستمرار حياة النّاس وتسيير مصالحهم، ووضع حرية المعتقلين كهدف أسمى، هو ما يحوّل الانتصار العسكري إلى مشروع حضاري أخلاقي.
إنّ تطابق التوقيت في شهر جمادى الأولى بين الفتحين ليس مجرد مصادفة رقمية، بل هو تأكيد على أنّ “المدرسة واحدة”. إنّها قصة اجتماع اليقين بالوعد مع العقل الاستراتيجي، لتظلّ هذه الدروس منارة تُعلّم العالم أنّ المعجزات تتنزل حين يجتمع العمل الدؤوب مع بركة الحق وعدالة القضية.



