مقالات الرأي

فائض على الورق… وأسئلة كبيرة في اقتصاد منهك

دمشق- 8 – أبريل- 2026

إعداد: الصحفي رياض الخطيب

أثار الحديث الرسمي عن تحقيق فائض في الموازنة العامة السورية موجة واسعة من التساؤلات، خصوصاً في ظل الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار. فبينما تشير التصريحات الحكومية إلى تسجيل أول فائض مالي منذ عقود، يرى كثير من المتابعين أن الأرقام المعلنة تحتاج إلى قراءة أعمق لفهم ما تعكسه فعلاً على أرض الواقع.

وزير المالية محمد يسر برنية أعلن أن الموازنة العامة للدولة لعام 2025 حققت فائضاً طفيفاً بنحو 5 مليارات ليرة سورية جديدة، أي ما يقارب 46 مليون دولار، وهو أول فائض تسجله الموازنة منذ عام 1990 وبحسب الأرقام التي عرضها الوزير، بلغ إجمالي الإنفاق في موازنة 2025 نحو 379.2 مليار ليرة سورية، ما يعادل قرابة 3.447 مليار دولار، بزيادة وصلت إلى 45.7% مقارنة بعام 2024، في حين بلغت الإيرادات نحو 384.2 مليار ليرة، أي ما يقارب 3.493 مليار دولار، بنمو كبير وصل إلى 120.2% عن العام السابق.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الأجور والرواتب استحوذت على نحو 41% من إجمالي الإنفاق، بينما شكّلت الرسوم الجمركية نحو 39% من الإيرادات، وهو ما يعكس اعتماداً واضحاً على العوائد المرتبطة بالاستيراد والضرائب غير المباشرة. كما كشف الوزير أن موازنة عام 2026 ستشهد قفزة كبيرة في حجم الإنفاق لتصل إلى نحو 10.516 مليار دولار، مع التركيز على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، مقابل إيرادات متوقعة تبلغ 8.716 مليار دولار، منها 28% من قطاع النفط والغاز، مع توجه لزيادة الإنفاق بشكل أكبر في عام 2027 لدعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار وبرامج مكافحة الفقر.

ورغم أن الأرقام المعلنة تشير من الناحية الحسابية إلى تحقيق فائض مالي، إلا أن قراءة هذه البيانات تطرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية. فالفائض المعلن، الذي يقدّر بنحو 46 مليون دولار فقط، يبقى محدوداً جداً مقارنة بحجم الموازنة العامة التي تتجاوز 3.4 مليار دولار، ما يجعله أقرب إلى فائض رمزي منه إلى تحول اقتصادي حقيقي. كما أن اعتماد ما يقارب 39% من الإيرادات على الرسوم الجمركية يعكس ضعف مصادر الدخل الإنتاجية، في ظل تراجع القطاعات الاقتصادية الأساسية التي عادة ما تشكل العمود الفقري للإيرادات في الاقتصادات المستقرة.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً عند مقارنة هذه الأرقام بحجم الاحتياجات الفعلية للبلاد. فبعد سنوات من الحرب، ما تزال مدن وبلدات كاملة بحاجة إلى إعادة إعمار، بينما تعاني قطاعات خدمية أساسية من نقص حاد في الموارد. وتشير تقديرات اقتصادية متداولة إلى أن إعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد قد تتطلب مئات المليارات من الدولارات، في وقت يعيش فيه جزء كبير من السكان تحت خط الفقر، ما يجعل موازنة بحجم بضعة مليارات من الدولارات غير كافية لتغطية التحديات القائمة.

كما أن إعلان رفع الإنفاق في موازنة 2026 إلى أكثر من 10 مليارات دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف موازنة 2025، يثير تساؤلات إضافية حول مصادر التمويل الفعلية لهذه القفزة المالية، خاصة مع توقع تسجيل عجز يقترب من ملياري دولار بين الإيرادات والإنفاق. هذا الفارق يطرح بدوره تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستعتمد على مصادر تمويل خارجية أو على توسع في الاقتراض أو الإيرادات النفطية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو قصة الفائض المالي المعلن مسألة قابلة للنقاش أكثر من كونها مؤشراً حاسماً على تحسن اقتصادي. فالأرقام قد تكون صحيحة حسابياً ضمن إطار الموازنة، لكنها لا تعكس بالضرورة قدرة الاقتصاد على النهوض السريع أو تمويل عملية إعادة الإعمار الضخمة التي تحتاجها البلاد.

وبين الأرقام الرسمية والواقع الاقتصادي المعقد، يبقى السؤال المطروح: هل يعكس هذا الفائض بداية تعافٍ اقتصادي فعلي، أم أنه مجرد فائض حسابي محدود في موازنة ما تزال صغيرة مقارنة بحجم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى