الأخبارمحلي

سوريا.. 900 مليار دولار تكلفة متوقعة لإعادة الإعمار وعودة 3.5 ملايين لاجئ تتصدر التحديات

تتصدر ملفات إعادة الإعمار والتعويضات وعودة اللاجئين أولويات الحكومة الجديدة والمجتمع الدولي. وتشير التقديرات الأولية الصادرة عن مؤسسات مالية دولية وخبراء في مجال التعافي إلى أن الكلفة الإجمالية لإعادة بناء ما دمره النظام البائد قد تصل إلى ما يقرب تريليون دولار، في عملية معقدة تمتد لعقود ولا تقتصر على الجانب الهندسي فقط، بل تشمل إعادة هيكلة الاقتصاد والمجتمع.

تكشف بيانات البنك الدولي أن تكلفة إعادة الإعمار في سوريا تقدر بنحو 216 مليار دولار، موزعة بين قطاعات حيوية. إذ يستحوذ قطاع البناء السكني على 75 مليار دولار، في حين تحتاج المباني غير السكنية إلى 59 ملياراً، أما البنية التحتية التي تشمل الكهرباء والمياه والطرق والجسور فتحتاج إلى استثمارات بقيمة 82 مليار دولار.

وتظهر الأرقام أن البنية التحتية كانت الأكثر تضرراً، حيث تمثل 48% من إجمالي الخسائر المادية بقيمة 52 مليار دولار، تليها المباني السكنية التي سجلت خسائر بقيمة 33 مليار دولار. وتتصدر محافظتا حلب وريف دمشق قائمة المناطق الأكثر حاجة للاستثمارات، نظراً لحجم الدمار الهائل الذي طالها.

وفي قطاع النقل، تتراوح تقديرات الأضرار في الطرق وحدها بين 15 و90 مليون دولار في بعض المدن، بينما تصل الخسائر في الموانئ والمطارات إلى مئات الملايين.

أما على الصعيد الاقتصادي الأوسع، فتقدر قيمة الخسائر الاقتصادية المتراكمة بنحو 530 مليار دولار، مع تدمير ما يصل إلى 40% من البنية التحتية. وتشير المؤشرات الاجتماعية إلى تفاقم غير مسبوق في معدلات الفقر، الذي بلغ 86% بين السكان.

في سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية متطابقة عن عودة قرابة 885 ألف نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية، إلى جانب 302 ألف لاجئ سوري عادوا من دول اللجوء المختلفة خلال العام 2025. وتتوقع مصادر مطلعة أن يصل إجمالي العائدين إلى 3.5 ملايين لاجئ ونازح خلال الفترة المقبلة، مما يشكل ضغطاً إضافياً على الخدمات والبنية التحتية المتداعية، ويدفع باتجاه استثمارات عاجلة في قطاعات الإيواء والصحة والتعليم.

في تصريح سابق له، وضع الرئيس “أحمد الشرع” ملف إعادة الإعمار على رأس أولويات الدولة، كاشفاً أن التكلفة التقديرية لهذه العملية تتراوح بين 600 و900 مليار دولار، الأمر الذي يتطلب تعبئة واسعة للموارد المحلية، وحشد دعم كبير من المجتمع الدولي والمؤسسات المالية.

بحسب سيناريوهات خبراء الاقتصاد والتعافي، استناداً إلى تجارب دول مرت بظروف مشابهة، فإن إعادة إعمار سوريا ستتم على ثلاث مراحل رئيسية:

1. مرحلة الاستجابة العاجلة (3-5 سنوات): تركز على إعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه، وترميم الطرق الحيوية، وإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس لاستيعاب العائدين.
2. مرحلة إعادة بناء البنية التحتية الكبرى (7-10 سنوات): وتشمل إنشاء شبكات نقل وطاقة حديثة، وإعادة بناء المدن المدمرة بشكل كامل وفق معايير تخطيط عمراني متطورة.
3. مرحلة التنمية المستدامة (5-7 سنوات إضافية): وهي مرحلة إعادة تكوين رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد السوري، وجذب الاستثمارات طويلة الأجل.

يرى مراقبون أن عملية إعادة الإعمار في سوريا، رغم فداحة تكاليفها، قد تشكل نقطة تحول مفصلية للاقتصاد الوطني. وتظهر التجارب الدولية أن مرحلة ما بعد الحروب غالباً ما تتحول إلى فرصة نادرة للتخلص من البنى المتقادمة وبناء اقتصاد أكثر كفاءة.

ويضرب الخبراء مثالاً بـ “خطة مارشال” التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي لم تقتصر على ترميم الخراب في أوروبا، بل أسهمت في تحديث الصناعة الأوروبية وتنشيطها بشكل غير مسبوق، محولين الدمار إلى انطلاقة اقتصادية كبرى.

ويبقى السؤال الأبرز معلقاً: هل تستطيع سوريا، بدعم إقليمي ودولي، تحويل هذا التحدي الهائل إلى فرصة حقيقية لبناء دولة حديثة، أم أن تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي ستطيل أمد المعاناة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى