سقوط أقنعة الحسن في تسريبات الجزيرة

بقلم: الكاتب فراس السقال
داماس بوست: 2 – يناير- 2026
مع انقضاء عام 2025، فجّرت قناة الجزيرة واحدة من أخطر القنابل الإعلامية في تاريخ الصراع السوري، عبر نشر تسجيلات صوتية ووثائق مسرّبة تكشف جوانب مظلمة من دور سهيل الحسن، أحد أبرز أدوات النظام السابقة. هذه التسريبات، التي جاءت بعد عام كامل على سقوط النظام في كانون الأول 2024، لا يمكن التعامل معها بوصفها مادة إعلامية عابرة، بل تمثل وثيقة إدانة تاريخية لمرحلة كاملة قامت على الفساد البنيوي والارتهان المطلق لشبكات المال والنفوذ.
التسجيلات المسربة تُسقط الصورة التي حاول الحسن ترسيخها عن نفسه كقائد عسكري عقائدي، لتظهره مجرد منفذ ضمن منظومة إجرامية متكاملة، كان يقودها ضباط أمنيون معروفون بارتكابهم أبشع الجرائم بحق السوريين، وعلى رأسهم جميل الحسن المرتبط بملف البراميل المتفجرة. الوثائق تؤكد أن الاجتياحات التي قادها الحسن لم تكن سوى جزء من مشروع دموي منظم، تحكمه المصالح لا الشعارات.
الأخطر في هذه التسريبات هو ما كشفته عن طبيعة العلاقة بين سهيل الحسن ورامي مخلوف، حيث يظهر الحسن في التسجيلات باعتباره متعهداً للحروب، يعمل لحساب إمبراطورية مالية لا علاقة لها بأي مفهوم وطني أو عسكري. اعترافه الصريح بأن مخلوف هو المنسق الأعلى، ووصفه له بالشخص النظيف والمحترم، يكشف بوضوح أن ما سُمّي بقوات النمر لم يكن سوى ميليشيا خاصة لحماية شبكة مصالح عائلية، لعب فيها الحسن دور حلقة الوصل بين رأس المال والمجموعات المسلحة، خصوصاً في محاولات إعادة تنظيم النفوذ في الساحل السوري عقب سقوط دمشق.
وتكشف التسريبات كذلك انهيار واحدة من أكثر الأساطير التي تاجر بها النظام لعقود، وهي أسطورة الممانعة. ففي إحدى المكالمات، يظهر سهيل الحسن مطيعاً ومنضبطاً أمام شخص كان يعتقد أنه ضابط في جهاز الموساد الإسرائيلي، مردداً عبارات الولاء والاستعداد للخدمة، في مشهد يلخص حجم الانفصام بين الخطاب العلني والممارسة الفعلية. كما تكشف التسجيلات عداءً صريحاً للمقاومة الفلسطينية، حيث يهاجم الحسن حركة حماس وقادتها بلغة عنصرية فجة، ما يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تكن بالنسبة للنظام سوى ورقة دعائية لتخدير الرأي العام.
ولا يمكن فصل تسريبات الحسن عن الظهور الأخير لرامي مخلوف بلباس الواعظ الديني، إذ تؤكد الوثائق أن هذا الخطاب لم يكن سوى غطاء لمحاولة تمرير مشاريع انفصالية في الساحل السوري. ففي الوقت الذي كان فيه مخلوف يسعى لاستجداء حماية روسية مباشرة للمنطقة، كان الحسن يتقمص دور رجل الدين، مستخدماً خطاباً تكفيرياً لتبرير العنف والدعوة لاستئصال المعارضين، ومنح مشروع التقسيم صبغة دينية زائفة. ومع لحظة سقوط النظام في الثامن من كانون الأول 2024، سقطت هذه الأقنعة دفعة واحدة، حين فرّ الطرفان إلى لبنان طلباً للحماية في مناطق نفوذ حزب الله.
إن نهاية منظومة الأسد لم تكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من التبعية للخارج، وتحالف المال بالدم، وتفكيك المجتمع السوري. واليوم، مع مطلع عام 2026، تدخل سورية مرحلة جديدة تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، مرحلة تقوم على إعادة بناء الدولة ومحاسبة المجرمين. لجوء سهيل الحسن ورامي مخلوف إلى الخارج لا يعني طي الصفحة، فملف استرداد المطلوبين يتصدر أولويات الحكومة السورية، في مسار قانوني يهدف إلى تحقيق العدالة التي يستحقها السوريون بعد سنوات طويلة من التضحيات. وتبقى هذه التسريبات شاهداً على وعي شعب رفض الخداع، وقرر أن يواجه الحقيقة مهما كانت قاسية، دفاعاً عن وطنه ومستقبله.



