التقارير الإخباريةمحلي

ذاكرة من خلف القضبان.. “متحف السجون” يوثق حقبة المسلخ البشري في صيدنايا

يُعد “متحف السجون السورية” منصة رائدة تهدف إلى استرجاع الذاكرة السورية من غياهب النسيان وتحويل معتقلات الموت، خاصة “سجن صيدنايا”، من مناطق مظلمة تخفي الجرائم إلى شواهد حية على حقبة قاسية. يسعى المتحف عبر أدواته الرقمية والواقعية إلى تثبيت الرواية الوطنية للضحايا، وضمان عدم طمس الحقائق التاريخية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة التي شهدتها هذه المراكز.

اعتمد المتحف في بناء محتواه على تقنيات “الهندسة الجنائية” (Forensic Architecture)، وهي تقنية تحلل الأدلة المادية والبصرية لتوثيق الجرائم والانتهاكات. تم ترميم السجن افتراضياً بناءً على تقاطعات شهادات الناجين والرسوم الهندسية المسربة. يتيح هذا للزوار فهم التصميم الداخلي للسجن، وتحديداً “المبنى الأحمر” سيء الصيت، الذي صُمم بطريقة تضمن العزل التام والتحكم المطلق بآلاف المعتقلين في ظروف لا إنسانية.

يكشف التقرير التوثيقي للمتحف عن تفاصيل “سياسة الإبادة” التي نفذها النظام المجرم في صيدنايا، والتي لم تقتصر على التعذيب الجسدي، بل شملت التجويع الممنهج والحرمان من الدواء. ويسلط المتحف الضوء على “غرف الملح” التي استُخدمت كمشارح بدائية لحفظ جثث الضحايا نتيجة الأعداد الكبيرة للوفيات، مما يعكس حجم المأساة التي تجاوزت حدود القمع السياسي إلى التصفية الجسدية الشاملة.

يخصص “المتحف” حيزاً هاماً لتوثيق “المحاكمات الميدانية” الصورية التي كانت تُجرى في دقائق معدودة لتنتهي بأحكام الإعدام. ومن خلال جمع الوثائق المسربة وقوائم الأسماء، استطاع المتحف بناء قاعدة بيانات قانونية توضح كيف تم توظيف القضاء العسكري كأداة لتشريع القتل الجماعي بعيداً عن أدنى معايير العدالة الدولية أو الحقوقية.

تُعد شهادات المعتقلين السابقين العمود الفقري للمتحف، حيث يضم أرشيفاً بصرياً وصوتياً لمئات الناجين. هؤلاء لم يكتفوا بسرد آلامهم، بل قدموا تفاصيل دقيقة عن “حفلات الاستقبال” الوحشية، وطرق التعذيب المبتكرة، وعلاقات التضامن الإنساني التي نشأت خلف الجدران، مما يحول هذه الشهادات من قصص شخصية إلى وثائق إدانة قانونية غير قابلة للدحض.
يتجاوز المتحف دور العرض التقليدي ليلعب دوراً استقصائياً، حيث يستخدم برمجيات متطورة لمطابقة بيانات المفقودين مع الصور والوثائق المستخرجة من مراكز الاحتجاز. تهدف هذه الفقرة التقنية إلى منح العائلات السورية أجوبة حول مصير أبنائهم، وتحويل ملف “المعتقلين والمختفين قسرياً” من قضية سياسية شائكة إلى ملف حقوقي وإنساني مُوثق بالأدلة والقرائن.

في ختامه، يطرح “المتحف” رؤية استشرافية للعدالة الانتقالية، حيث يرى أن توثيق فظائع سجن صيدنايا هو الخطوة الأولى نحو المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب. إن هذا المشروع لا يهدف فقط إلى رصد الماضي، بل يطمح لأن يكون حجر الزاوية في بناء سورية المستقبل التي تقوم على سيادة القانون واحترام كرامة الإنسان، وضمان ألا تتكرر مأساة “المسلخ البشري” مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى