مقالات الرأي

الجلبية بين منطق الدولة وعقلية الميليشيا

تشهد بلدة الچلبية في ريف عين العرب، إلى جانب مدينة عين العرب ، حالة من الاحتقان الشعبي على خلفية احتجاجات رافقت قرار تعيين رئيس بلدية جديد للچلبية، إضافة إلى الاعتراض على تعيين مدير للمنطقة هو السيد “إبراهيم مسلم”.
إلا أن هذه الاحتجاجات، التي كان من الممكن أن تبقى ضمن إطار التعبير عن الرأي أو الاعتراض الإداري المشروع، اتخذت منحى مقلقاً بعد أن رافقتها شعارات ذات طابع عنصري وإقصائي.

في المجتمعات الطبيعية، يبقى الاعتراض على القرارات الإدارية حقاً مشروعاً، بل يعد جزءاً من الحياة العامة والنقاش السياسي. غير أن ما جرى في الچلبية تجاوز حدود النقد المشروع، لينزلق إلى خطاب قائم على رفض الآخر لمجرد أنه لا ينتمي إلى منظومة سياسية محددة أو لا يحظى بمباركة القوى المسيطرة محلياً. وهذا ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الخطاب الذي يجري الترويج له في المنطقة والجهات التي تقف خلفه.

اللافت في هذه القضية أن رئيس بلدية الچلبية الجديد هو في الأصل كردي ومن أبناء البلدة نفسها، الأمر الذي يسقط الادعاءات التي تحاول تصوير الاعتراض على أنه دفاع عن “الهوية القومية”. فالمسألة لا تبدو مرتبطة بالانتماء القومي بقدر ما ترتبط بمحاولة احتكار القرار الإداري والسياسي داخل إطار محدد، ورفض أي شخصية لا تنتمي إلى المنظومة السياسية المرتبطة بميليشيا قسد أو المتأثرة بخطاب حزب العمال الكردستاني.

بهذا المعنى، لم يعد الاعتراض موجهاً إلى قرار إداري بقدر ما أصبح رفضاً لأي حضور لمؤسسات الدولة السورية في إدارة شؤون المنطقة. فالبعض لا يقبل إلا بتعيينات صادرة من داخل دائرته السياسية،
وبشخصيات تدين بالولاء لتلك المنظومة، الأمر الذي يحول الإدارة المحلية من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لاحتكار السلطة وفرض النفوذ السياسي.
تكمن خطورة هذا النهج في أنه لا يكتفي بتكريس الخلاف السياسي، بل يدفع بالمجتمع نحو استقطاب قومي خطير.

فحين يتم تصوير أي قرار إداري على أنه “استهداف قومي”، يتحول الخطاب العام إلى ساحة للتحريض والتجييش، ويجري تعميق الشرخ بين مكونات المجتمع السوري الذي عاش لعقود طويلة في إطار من التعايش المشترك.

لقد أثبتت التجربة السورية خلال السنوات الماضية أن اللعب على وتر القومية أو الطائفية لا يقود إلا إلى مزيد من الانقسام والتوتر. فسوريا، بطبيعتها التاريخية والاجتماعية، بلد متعدد القوميات والثقافات، وكان هذا التنوع دائماً مصدر غنى حضاري لا سبباً للصراع. لكن تحويل هذا التنوع إلى أداة للصراع السياسي أو منصة لمشاريع الانفصال يهدد النسيج الوطني ويضعف فرص الاستقرار.

وفي هذا السياق، تبدو بعض القوى المرتبطة بمشروع قسد وكأنها تسعى إلى ترسيخ واقع إداري وسياسي منفصل عن الدولة السورية، مستفيدة من خطاب قومي متشدد يرفض أي تقارب مع مؤسسات الدولة. مثل هذا التوجه لا يؤدي في النهاية إلا إلى تكريس العزلة وإدامة حالة التوتر، وهو ما ينعكس سلباً على حياة السكان واستقرار المنطقة.

إن ازدهار الچلبية وعين العرب، كما غيرهما من المدن السورية، لا يمكن أن يتحقق عبر سياسة الإقصاء أو احتكار القرار المحلي. فالتنمية الحقيقية تحتاج إلى إدارة قائمة على الكفاءة، وإلى بيئة سياسية تسمح بمشاركة جميع أبناء المنطقة بعيداً عن الولاءات الحزبية الضيقة.

المعادلة واضحة: الاستقرار لا يبنى بالشعارات القومية المتشددة، ولا بسياسة رفض الآخر، بل ببناء مؤسسات قادرة على خدمة المجتمع بأكمله.

فالدولة السورية، بمؤسساتها، تبقى الإطار الجامع لكل مكوناتها، وأي محاولة لإقصاء هذا الإطار أو استبداله بمشاريع ضيقة لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإضعاف فرص النهوض.

ما يجري اليوم في بلدة الچلبية بريف مدينة عين العرب يجب أن يُقرأ كإنذار مبكر لخطورة الانزلاق نحو خطاب عنصري يهدد السلم الأهلي. فالمجتمعات لا تتماسك عبر الإقصاء، بل عبر قبول التنوع والعمل المشترك. وفي النهاية، يبقى أبناء المنطقة أنفسهم هم الأكثر حاجة إلى الاستقرار والتنمية والخدمات، لا إلى صراعات الهوية واحتكار السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى