اقتصادالتقارير الإخباريةمنوع

كهرباء الشمال السوري… خدمة غائبة وفواتير لا تنقطع

لم تعد الكهرباء في مدن الشمال السوري مجرّد خدمة أساسية، بل تحوّلت إلى عبء يومي يثقل كاهل السكان. في مارع، و إعزاز، يعيش الأهالي على إيقاع انقطاعات متكررة، في وقت تُفرض فيه تعرفة مرتفعة لا تتناسب مع واقع معيشي يزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
مع ساعات المساء، تتكرر القصة نفسها. ينقطع التيار دون سابق إنذار، وتغرق الأحياء في الظلام. لا جدول واضح، ولا تفسير رسمي. فقط انتظار مفتوح، يتخلله تذمّر الناس، ومحاولاتهم التأقلم مع واقع بات جزءاً من يومياتهم.
يقول أحد سكان إعزاز:
“ندفع عندما ينفذ الكرت، لكن الكهرباء لا تلتزم بوقت ولا بعدد ساعات. أحياناً تأتي لساعات قليلة ثم تنقطع فجأة، وكأن الأمر عشوائي.”
هذا الواقع لا يقتصر على المنازل فقط، بل يمتد إلى مختلف جوانب الحياة. المحال التجارية تتضرر، الأعمال و المعامل تتعطل، والطلاب يجدون صعوبة في الدراسة وخاصة في هذه الفترة امتحانات جامعية، بينما يضطر كثيرون للاعتماد على بدائل مكلفة، كالمولدات الخاصة والطاقة الشمسية، التي تضاعف المصاريف على عائلات بالكاد تؤمّن قوتها اليومي.
ورغم ذلك، لا تنخفض الفواتير. على العكس، يشكو السكان من ارتفاع واضح في سعر الكيلو واط، حيث يرون أن ما يدفعونه لا ينعكس بأي شكل على جودة الخدمة. يقول مدرس من ريف حلب الشمالي:
“لا يوجد راتب ثابت، ومع ذلك ندفع فواتير عالية. الكهرباء صارت عبئاً إضافياً، وليس خدمة.”
في المقابل، تتولى شركة Akit Energy إدارة قطاع الكهرباء في هذه المناطق، وسط تساؤلات متزايدة حول آلية التسعير، وحجم الإيرادات، وأوجه إنفاقها. لا توجد بيانات واضحة منشورة، ولا شرح رسمي يفسر أسباب الانقطاعات أو يحدد جدولاً مستقراً للتغذية.
وبحسب تقديرات متداولة بين الأهالي، فإن الفارق بين تكلفة الكيلو واط وسعر بيعه للمواطنين كبير، ما يطرح علامات استفهام حول حجم الأرباح، في وقت لا تظهر فيه أي مؤشرات على تحسين الشبكة أو معالجة الأعطال بشكل جذري.
الأزمة تزداد وضوحاً مع اقتراب شهر رمضان، حيث يرتفع استهلاك الكهرباء، في ظل انعدام فرص العمل، وغياب الرواتب، خاصة لدى شريحة المعلمين. عائلات كثيرة تجد نفسها أمام معادلة قاسية: إما التقشف في استخدام الكهرباء، أو تحمل فواتير تفوق قدرتها.
يقول أحد الأهالي في مارع:
“نحن بعد سنوات الحرب، بالكاد نعيش. الكهرباء يجب أن تكون خدمة أساسية، لا مشروع ربح على حساب الناس.”
في ظل هذا الواقع، تتجه أصابع الاتهام نحو غياب الرقابة الفعلية على هذا القطاع. فلا توجد جهة واضحة تراقب الأداء، ولا آليات معلنة لمحاسبة المقصرين، ما يترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع شركة تتحكم بخدمة حيوية دون شفافية كافية.
كما يطالب الأهالي بضرورة قيام وزارة الطاقة بدورها الكامل في متابعة هذا الملف، وضبط آلية التسعير، ومراقبة أداء الشركة المشغّلة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استقرار الخدمة وحماية حقوق المواطنين.
السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم: من يحاسب؟
من يراجع الأسعار؟
ومن يضمن حق الناس في خدمة مستقرة مقابل ما يدفعونه؟
حتى الآن، لا إجابات واضحة.
فقط كهرباء تغيب متى تشاء، وفواتير تدفع في موعدها دون تأخير.
وفي وقت تتزايد فيه معاناة الأهالي، يبقى ملف الكهرباء في الشمال السوري مفتوحاً، بانتظار خطوات حقيقية تعيد التوازن بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه، وتضع حداً لحالة الاستنزاف المستمرة منذ سنوات.

إعداد الصحفي: رياض الخطيب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى