مقالات الرأي

اجتماع الشرع وعبدي على وقع الاشتباكات… فشل التفاهم وعودة شبح الحسم العسكري في الحسكة

دمشق – 19- يناير- 2026

بقلم الصحفي: رياض الخطيب

في ظل تصاعد الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية السورية في شمال وشرق البلاد، جاء اجتماع الرئيس أحمد الشرع مع مظلوم عبدي ليشكّل محطة سياسية وأمنية مفصلية، عكست بوضوح عمق الخلافات وحدود الخيارات المطروحة، وكشفت أن مسار التفاهم بات أقرب إلى حافة الانهيار منه إلى التسوية.

عُقد الاجتماع اليوم في دمشق، واستمر نحو خمس ساعات متواصلة، بحضور وزيري الدفاع والخارجية، في محاولة لوضع حد للتوتر المتصاعد وفتح باب لتنفيذ الاتفاق الذي رعاه رئيس إقليم كردستان العراق مسعود برزاني. غير أن أجواء اللقاء، وفق المعطيات المتداولة، اتسمت بالشد والجذب، وانتهت من دون تحقيق أي اختراق فعلي.

وخلال الاجتماع، طرح الرئيس أحمد الشرع مقاربة تقوم على دمج قسد السورية ضمن مؤسسات الدولة، مقابل حوافز سياسية وإدارية، أبرزها عرض منصب نائب وزير الدفاع على مظلوم عبدي، والسماح له بترشيح اسم ليُعيَّن محافظًا للحسكة، شريطة تحييد قسد السورية عن حزب العمال الكردستاني وإتمام الاتفاق الأمني والإداري. إلا أن عبدي، بحسب المصادر، رفض هذه الصيغة، مطالبًا بأن تبقى محافظة الحسكة بالكامل تحت إدارة قسد وجناحها المدني، وهو ما قوبل برفض قاطع من الرئيس الشرع، الذي اشترط دخول قوات وزارة الداخلية إلى الحسكة كمدخل إلزامي لأي اتفاق.

ومع تعقّد المواقف، طلب مظلوم عبدي مهلة خمسة أيام للتشاور مع قياداته، في ظل ما وُصف بأنه ضغوط هائلة يتعرض لها من قيادات حزب العمال الكردستاني للتنصل من الاتفاق. غير أن الرئيس الشرع رفض منح أي مهلة إضافية، مطالبًا بجواب نهائي مع نهاية اليوم، ومؤكدًا أن الدولة السورية ستبلغ الأطراف الدولية بانسحاب عبدي من الاتفاق، وأن ملف الحسكة سيُحسم بالقوة في حال فشل المسار السياسي.
في المقابل، جاء رد قوات سوريا الديمقراطية سريعًا وحادًا، إذ صرّحت الجنرال فوزة اليوسف بأن اجتماع عبدي والشرع لم يكن إيجابيًا، معتبرة أن دمشق “تريد أن يسلم الكرد كل شيء”، وأنها تسعى لإعادة المنطقة إلى ما قبل عام 2011. وأضافت أن الاستسلام غير مقبول، وأن الحكومة تطالب بإنهاء مؤسسات قسد، متهمة إياها بعدم الرغبة في منح الكرد حقوقهم، ومؤكدة أن قرار قسد هو “المقاومة”. كما زعمت أن غالبية المسلحين الذين يهاجمون قسد هم من تنظيم داعش، في استمرار لخطاب التخوين المتبادل بين الطرفين.

وأكدت شبكة روداو أن مظلوم عبدي غادر دمشق من دون التوصل إلى أي اتفاق، فيما نقلت عن حزب الاتحاد الديمقراطي قوله إن الحكومة السورية تطالب قسد بإلقاء السلاح وتسليم الحسكة وكوباني دون أي شروط، وهو ما اعتبره الحزب محاولة لفرض حل أحادي بالقوة السياسية والعسكرية.

وفي سياق متصل، أجرى الرئيس أحمد الشرع، اليوم، اتصالًا هاتفيًا مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، جرى خلاله بحث تطورات الأوضاع في سوريا وعدد من الملفات الإقليمية. وأكد الرئيسان أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقلالها، ودعم جميع الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار، مع التشديد على ضرورة ضمان حقوق وحماية الشعب الكردي ضمن إطار الدولة السورية.
واتفق الجانبان على مواصلة التعاون في مكافحة تنظيم “داعش” وإنهاء تهديداته، مع التعبير عن تطلع مشترك لرؤية سوريا قوية وموحدة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، والتأكيد على أهمية منح سوريا فرصة جديدة للانطلاق نحو مستقبل أفضل، في رسالة تحمل دلالات سياسية بالتزامن مع تصاعد التوتر في الشمال الشرقي.

وفي خضم هذا المشهد، عاد الجدل مجددًا حول مفهوم “روج آفا”، وهو الاسم الذي أطلقه قوميون أكراد عام 2013 على المناطق ذات الغالبية الكردية شمالي سوريا، ويعني “الغرب” في إشارة إلى “غرب كردستان” بحسب أدبياتهم. هذا الطرح، الذي ترفضه دمشق جملة وتفصيلًا، يبقى أحد جذور الخلاف العميق بين الدولة السورية وقسد، إذ تعتبره الحكومة مشروعًا انفصاليًا مقنّعًا، بينما تراه قسد إطارًا لهوية سياسية وإدارية خاصة.

في المحصلة، يعكس فشل اجتماع الشرع وعبدي أن الهوة بين الطرفين ما زالت واسعة، وأن منطق الشروط المتبادلة لا يزال يطغى على منطق التسويات. ومع انسداد أفق الحوار، تبدو الاشتباكات مرشحة لمزيد من التصعيد، ما لم تتدخل الأطراف الدولية لفرض مسار سياسي واضح، أو ما لم يُحسم ملف الحسكة بالقوة، كما لوّحت بذلك دمشق صراحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى