مخيمات ريف حلب الشمالي بين الموت والحياة تحت وطأة العواصف الثلجية

إعداد: الصحفي رياض الخطيب
ريف حلب – 3 يناير- 2026
مع كل منخفض جوي جديد يضرب ريف حلب الشمالي، تعود معاناة آلاف العائلات القاطنة في المخيمات إلى الواجهة من جديد، حيث تتحول الخيام المهترئة إلى عبء ثقيل لا يقي من برد الشتاء ولا من قسوة الرياح، في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية التي ما تزال مستمرة رغم مرور عام على تحرير سوريا.
الثلوج التي غطّت المخيمات في الأيام الأخيرة لم تكن مجرد حالة طقس عابرة، بل كانت اختبارًا قاسيًا لقدرة النازحين على الصمود، إذ تسربت مياه الأمطار إلى داخل الخيام، وغرقت الأرض بالوحل، فيما انخفضت درجات الحرارة إلى مستويات خطرة، خصوصًا على الأطفال وكبار السن، وسط غياب شبه كامل لوسائل التدفئة والوقود والملابس الشتوية.
ورغم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد، ما تزال مخيمات ريف حلب الشمالي تعاني من ظروف معيشية صعبة، زادتها قسوة توقف معظم أشكال الدعم الإنساني التي كانت تشكل شريان حياة للنازحين. فبعد أن كانت المساعدات الغذائية تصل بشكل دوري، والمياه تُضخ إلى المخيمات، والمراكز الصحية تقدم العلاج المجاني، توقفت هذه الخدمات تدريجيًا، تاركة آلاف العائلات في مواجهة الجوع والمرض والبرد القارس.
أم محمد، وهي أرملة تقطن في إحدى خيام المخيم مع أطفالها الأربعة، تختصر بكلماتها حجم الألم الذي يعيشه السكان. تقول إن زوجها استشهد قبل تحرير سوريا، وإن المساعدات الإغاثية التي كانت تصلهم لم تكن تكفي الشهر بأكمله لكنها كانت تساعدهم على الصمود. تضيف أن المياه كانت تصل بشكل منظم، وكان في المخيم مركز صحي يقدّم العلاج دون مقابل، إلا أن كل ذلك توقف بعد التحرير نوعا ما ، لتجد نفسها اليوم عاجزة عن تأمين أبسط احتياجات أطفالها في ظل هذا الشتاء القاسي.
وفي خيمة أخرى، يجلس أبو خالد، المصاب بإعاقة جراء قصف طائرات نظام الأسد لمنزله الذي دُمّر بالكامل في مدينته، ليحكي قصة لا تختلف كثيرًا عن قصص غيره من قاطني المخيمات. يقول إنه يعيش مع زوجته وأطفاله الثلاثة في خيمة لا تقيهم البرد، ولا يستطيع العودة إلى مدينته لعدم قدرته على إعادة بناء منزله، في وقت توقفت فيه المساعدات التي كانت تخفف عنهم عبء الحياة، ليضطر اليوم إلى شراء الخبز والماء والدواء رغم فقره وعجزه.
ولا تقتصر معاناة سكان المخيمات على فقدان المأوى فقط، فالكثير منهم فقدوا منازلهم إما بسبب القصف أو نتيجة قرارات استملاك صادرة عن النظام السابق، ما يجعل عودتهم مرتبطة بإجراءات قضائية معقدة وتكاليف مالية باهظة لا يملكون القدرة على تحملها، الأمر الذي يطيل أمد بقائهم في المخيمات ويجعلهم أسرى واقع قاسٍ لا أفق واضح له.
ومع توقف الدعم، بدأت تظهر أزمات صحية مقلقة داخل المخيمات، أبرزها انتشار أمراض جلدية مثل الجرب، نتيجة الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية وغياب الرعاية الطبية المنتظمة.
مدير أحد المخيمات يشير إلى أن غالبية المساعدات توقفت بعد تحرير سوريا، رغم وجود عائلات شهداء وأيتام ومرضى بحاجة ماسة للعلاج، مؤكدًا أن المراكز الصحية ما تزال تحاول الصمود بإمكانات محدودة جدًا، وأن بعض المنظمات الطبية، وعلى رأسها “منظمة الأطباء المستقلين ida”، تواصل تقديم ما تستطيع من خدمات، لكنها غير قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة في ظل هذه الظروف القاسية.
اليوم، يعيش سكان مخيمات ريف حلب الشمالي بين الفقر والبرد والعواصف الثلجية، في انتظار تدخل إنساني يعيد لهم جزءًا من كرامتهم المفقودة، ويمنح أطفالهم فرصة للنجاة من شتاء يهدد حياتهم في كل ليلة. وبين خيمة تتهاوى وأخرى تغرق في الوحل، يبقى السؤال مفتوحًا حول مصير آلاف العائلات التي ما تزال تنتظر أن يتحول الحديث عن التعافي وإعادة الإعمار إلى واقع يلمسونه، قبل أن يسبقهم الشتاء إلى ما هو أقسى من البرد.




