ما بعد الأشرفية والشيخ مقصود… بين حافة التسوية وخيار الحسم

بقلم الصحفي: رياض الخطيب
سورية: 13- يناير 2026
لم تعد أحداث الأشرفية والشيخ مقصود مجرد تطور أمني عابر في مدينة حلب، بل تحوّلت إلى مؤشر سياسي وعسكري بالغ الدلالة على ما يمكن أن تشهده المرحلة المقبلة في الشمال السوري والجزيرة. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس ماذا جرى، بل ماذا بعد، وإلى أي اتجاه تمضي المعادلة الإقليمية والدولية في التعامل مع ملف قوات سوريا الديمقراطية قسد.
من وجهة نظري، تقف المنطقة أمام مسارين لا ثالث لهما، وكلاهما محكوم بعوامل خارجية بقدر ما هو مرتبط بالوقائع الميدانية، المسار الأول يفترض قبول “قسد” بشروط دمشق كمدخل وحيد لأي حوار جدي، وعلى رأس هذه الشروط تسليم المعابر الحدودية وملفات النفط والغاز بشكل كامل للدولة السورية، إضافة إلى إخراج جميع العناصر غير السورية من صفوفها، سواء كانوا أتراكاً أو عراقيين أو إيرانيين أو غيرهم. هذا الشرط تحديداً لا يمكن فصله عن الدور التركي، إذ إن تنفيذه عملياً يستوجب وجوداً مباشراً للاستخبارات التركية لضمان تفكيك الارتباط العضوي بين قسد وقيادات حزب العمال الكردستاني.
أما المسار الثاني، وهو الأخطر، فيقوم على التلكؤ والمراهنة على الوقت، وهي لعبة أتقنتها قسد خلال السنوات الماضية مستندة إلى الغطاء الأميركي، غير أن هذه اللعبة لم تعد مضمونة النتائج، خصوصاً مع تغيّر المزاج الدولي وتراجع أولوية الملف السوري لدى واشنطن. في حال اختارت قسد هذا الطريق، فإن إعلان دعم أميركي لخطوات دمشق وأنقرة، بما في ذلك العمل العسكري الواسع في الجزيرة السورية، يصبح احتمالاً قائماً وليس مجرد سيناريو نظري.
الدور الأميركي هنا يستحق وقفة نقدية، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تكن يوماً وسيطاً محايداً، بل راعياً مباشراً لمشروع سياسي / عسكري حاول فرض أمر واقع انفصالي تحت عناوين براقة. اليوم، ومع تضاؤل قدرتها على الاستمرار في هذا الدور، يبدو أنها تبحث عن مخرج منظم يحفظ مصالحها بأقل كلفة ممكنة، حتى لو كان ذلك عبر تسليم زمام المبادرة لحلفائها الإقليميين. دعم واشنطن المحتمل لدمشق وأنقرة لا يعني تحالفاً بقدر ما يعكس رغبة في إغلاق ملف بات عبئاً أكثر منه ورقة ضغط.
في المقابل، تتحرك تركيا وفق منطق الأمن القومي البحت. فأنقرة ترى أن أي تسوية لا تضمن إنهاء نفوذ PKK داخل قسد، هي تسوية ناقصة ومؤقتة. لذلك، فإن انخراطها في أي مسار سياسي مشروط بإجراءات ميدانية واضحة، وإلا فإن الخيار العسكري سيبقى مطروحاً بقوة، وربما بتنسيق غير معلن مع دمشق.
على الأرض، لا يمكن تجاهل رفع الجاهزية العسكرية للجيش السوري، ولا سيما على محور دير حافر بريف حلب الشرقي، هذا المحور ليس تفصيلاً جغرافياً، بل عقدة استراتيجية تمكّن الجيش من فتح الباب نحو شرق البلاد والتحكم بإيقاع أي عملية محتملة ضد قسد. من الواضح أن دمشق لا تلوّح بالقوة عبثاً، بل تضع العمل العسكري كخيار أخير إذا فشلت كل محاولات فرض تسوية تحفظ وحدة الدولة وسيادتها.
وأختم بالقول إن الحديث عن انقسام داخل قسد بين تيارات سياسية وأخرى عسكرية لا يعدو كونه استعراضاً إعلامياً. فالتجربة أثبتت أن الرؤية واحدة، والهدف واحد: لامركزية سياسية تمهّد عملياً للانفصال. وبين هذا الهدف وبين الواقع الجديد الذي يتشكل، يبقى الميدان هو الحكم النهائي. فالتاريخ القريب علمنا أن من يراهن على الوقت في لحظات التحول الكبرى، غالباً ما يخسره.


