مقالات الرأي

شرق سوريا بين اختبار الدولة وحقوق المكوّن العربي

الحسكة- 13- نيسان- 2026

بقلم الصحفي رياض الخطيب

تعيش مناطق شرق سوريا، ولا سيما محافظة الحسكة، مرحلة دقيقة وحساسة في ظل التحولات السياسية والعسكرية الجارية، وما رافقها من تفاهمات واتفاقيات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذه المرحلة تفرض على الدولة مسؤولية مضاعفة في إدارة الملف بحكمة وعدالة، بما يضمن الاستقرار ويحفظ حقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها المكوّن العربي الذي يشكل شريحة أساسية من سكان المنطقة.

خلال السنوات الماضية، تراكمت لدى كثير من أبناء العشائر العربية مخاوف حقيقية نتيجة حالات اعتقال وملاحقات طالت بعض أبنائهم تحت ذرائع مختلفة، إضافة إلى قصص عن تحويل موقوفين إلى خارج البلاد أو احتجازهم لفترات طويلة دون وضوح في الإجراءات القانونية. هذه الوقائع، سواء كانت فردية أو أوسع من ذلك، تركت أثراً عميقاً في نفوس الأهالي، وولّدت شعوراً متزايداً بالقلق من أن تُدار المرحلة المقبلة دون معالجة جدية لهذه الملفات.

إن دخول مؤسسات الدولة إلى مناطق شرق سوريا يجب أن يكون مدخلاً لترسيخ العدالة وسيادة القانون، لا مجرد ترتيبات إدارية أو أمنية تترك انطباعاً لدى السكان بأن مصيرهم يُدار من خارج إرادتهم. فالدولة التي تسعى إلى استعادة حضورها في هذه المناطق مطالبة اليوم بإرسال رسالة واضحة لأبنائها العرب والكرد وسائر المكونات بأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، وأن لا طرف سيُترك خارج معادلة الدولة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية العمل على دمج أبناء المنطقة، ولا سيما العرب، في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وفي الجيش والشرطة على حد سواء، بما يعزز شعورهم بالشراكة الحقيقية في حماية مناطقهم وإدارة شؤونها. فالمشاركة العادلة في مؤسسات الدولة هي الضمانة الأساسية للاستقرار، وهي الطريق الأقصر لتبديد مخاوف التهميش أو الإقصاء.

كما أن إدارة العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية تتطلب وضوحاً وشفافية في طبيعة الاتفاقيات والتفاهمات المبرمة، بحيث لا يشعر أي مكوّن بأن الدولة تخلّت عن مسؤولياتها أو سلّمت كامل الصلاحيات لطرف دون آخر. فالمعادلة الوطنية السليمة تقوم على الشراكة العادلة تحت سقف الدولة السورية، لا على إحلال قوة محل أخرى.
إن شرق سوريا يقف اليوم أمام فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة وأبنائها، وهي فرصة لا ينبغي التفريط بها. فالاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عبر سياسات منصفة تعيد الاعتبار لكل المكونات، وتفتح الباب أمام مشاركة واسعة في مؤسسات الدولة، بعيداً عن الإقصاء أو الهيمنة.

وحدها هذه المقاربة العادلة قادرة على حماية المنطقة من الانزلاق إلى توترات جديدة، وترسيخ مرحلة يكون فيها الاندماج الوطني واضحاً وصريحاً، بما يضمن حقوق الجميع ويحول دون تكرار أخطاء الماضي أو الوصول إلى نتائج لا تُحمد عقباها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى