مقالات الرأي

سوريا… الطريق حين يضيق هرمز

لا يحتاج توماس باراك إلى كثير من الكلمات ليقول ما يريد. يكفي أن يفتح باب الاحتمال، ثم ينسحب تاركًا الأسئلة تتكاثر. في حديثه عن سوريا، لم يكن الرجل يصف واقعًا، بل يلمّح إلى وظيفة. والفارق بين الوصف والوظيفة، في لغة السياسة، هو الفارق بين ما هو كائن وما يمكن أن يُصنع.
سوريا اليوم ليست في وضع يغري بالرهان.
بلد خرج من حرب طويلة،
يتنفس بصعوبة،
وتتداخل فوق أرضه حسابات أكثر من لاعب.
لكن العالم لا ينظر دائمًا بعين الراهن.
أحيانًا، ينظر بعين القلق.
وفي قلب هذا القلق، يقف مضيق هرمز.
ممرّ صغير في الجغرافيا، كبير في الأعصاب. ما إن ترتفع حرارة المنطقة، حتى يعود اسمه إلى التداول كأنه جرس إنذار. لا لأن إغلاقه مؤكّد، بل لأن احتماله كافٍ لزرع القلق.
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
واشنطن لا تنتظر أن يحدث الطارئ،
بل تتصرف على أساس أنه قد يحدث.
لهذا، لا تبحث عن بديل كامل، بل عن شبكة أمان.
عن طرق إضافية،
عن مسارات تخفف الضغط،
وعن جغرافيا يمكن الوثوق بها… أو على الأقل، يمكن الاستثمار فيها.
في هذا السياق، تعود سوريا.
بوصفها دولة استعادت قوتها،
بل بوصفها موقعًا لا يمكن تجاهله.
تقف عند تقاطع طرق:
بين الخليج وتركيا،
قريبة من أوروبا،
ومفتوحة على المتوسط.
جغرافيا تقول ما لا يقوله الواقع.
وليس هذا الاكتشاف جديدًا.
المنطقة عرفت سابقًا خطوطًا عبرت أراضيها، مثل خط بانياس + كركوك
الذي حمل نفط الخليج إلى شواطئ أبعد.
تلك لم تكن مجرد أنابيب، بل تعبيرًا عن فهم مبكر لقيمة الموقع.
اليوم، يُعاد التفكير بالفكرة نفسها، لكن بشروط مختلفة.
لم يعد المطلوب خطًا واحدًا، بل شبكة.
ولم يعد الهدف تجاوز أزمة عابرة، بل إدارة قلق دائم.
غير أن الطريق إلى ذلك ليس سهلًا.
سوريا تحتاج إلى إعادة بناء شبه كاملة:
مرافئ تُؤهَّل،
شبكات نقل تُستعاد ،
وهنا تكمن المفارقة.
هذا الضعف نفسه قد يكون مدخلًا.
فالمشاريع الكبرى لا تمرّ فوق الفراغ، بل تملؤه.
تجلب معها استثمارات،
وتفرض إيقاعًا من المصالح،
وقد تدفع نحو استقرار يصبح ضرورة للجميع، لا ترفًا لأحد.
بهذا المعنى، تتحول سوريا من ساحة نزاع إلى مساحة محتملة للتقاطع.
ليس لأن أحدًا قرر إنقاذها،
بل لأن مصالح كبرى قد تجد في استقرارها مصلحة لها.
ومع ذلك، لا أوهام كبيرة.
لا أحد يستعد لكتابة نهاية مضيق هرمز.
العالم لا يستبدل شرايينه،
بل يخفف الاعتماد عليها.
ما يجري التفكير فيه هو كسر الاحتكار،
توزيع المخاطر،
وفتح أبواب إضافية حين تضيق الأبواب.
في هذه اللحظة، تبدو سوريا كأنها على الهامش.
لكن الهامش، في بعض الأزمنة، يتحول إلى متن.
ففي السياسة، لا يكفي أن تكون قويًا كي تُستدعى.
أحيانًا، يكفي أن تكون في المكان الذي يحتاجه الآخرون.
وسوريا، بكل ما فيها من تعب،
تقف في هذا المكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى