مقالات الرأي

زيلينسكي في دمشق: لماذا جاء الآن؟ وما الذي يدور خلف أبواب السياسة المغلقة؟

دمشق- 5 – أبريل 2026

إعداد الصحفي: رياض الخطيب

في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية، وصل الرئيس الأوكراني زيلنسكي إلى العاصمة السورية دمشق في زيارة مفاجئة تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين، لتلامس ملفات الصراع الدولي والتحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

هذه الزيارة لم تأتِ في توقيت عادي، بل جاءت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، حيث تتداخل ملفات الحرب في أوكرانيا مع صراعات الشرق الأوسط، في ظل التوترات المتصاعدة بين القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة.
فما الذي يدفع زيلينسكي إلى التوجه نحو دمشق؟ وما الذي تبحث عنه كييف في هذا التوقيت تحديداً؟
تحولات إقليمية قلبت موازين السياسة
شهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية سلسلة من التحولات العميقة التي أعادت خلط الأوراق السياسية والعسكرية.

فالصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط، والتوترات المرتبطة بإيران، خلقت واقعاً جديداً دفع العديد من الدول إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية.

وفي خضم هذه المتغيرات، بات واضحاً أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا لم تعد مجرد صراع أوروبي، بل تحولت إلى مواجهة ذات امتدادات عالمية، تتشابك فيها مصالح الطاقة والتجارة والأمن الدولي.

من هذا المنطلق، تسعى كييف إلى توسيع دائرة تحالفاتها خارج القارة الأوروبية، بحثاً عن شركاء جدد يمكنهم دعمها سياسياً واقتصادياً في مواجهة موسكو.

لماذا دمشق تحديداً؟
اختيار دمشق لم يكن خطوة عشوائية، بل يعكس إدراكاً متزايداً لدى القيادة الأوكرانية بأهمية الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا في معادلات المنطقة.
فسوريا تقع عند تقاطع طرق استراتيجي يربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وهو ما يمنحها أهمية كبيرة في ملفات الطاقة والنقل والتجارة.
كما أن دمشق تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الأزمات والصراعات المعقدة، وهو ما يجعلها لاعباً مؤثراً في العديد من الملفات الإقليمية.

ومن هنا، يبدو أن كييف تحاول فتح صفحة جديدة من العلاقات مع دمشق، تقوم على التعاون الاقتصادي والإنساني، وربما الأمني أيضاً.

ملفات الطاقة والغذاء على طاولة النقاش
من المعروف أن أوكرانيا تعد واحدة من أكبر مصدري الحبوب في العالم، وقد لعبت دوراً مهماً في تأمين إمدادات الغذاء للعديد من الدول خلال السنوات الأخيرة.
لذلك، من المرجح أن يكون ملف الأمن الغذائي أحد المحاور الرئيسية في المباحثات التي جرت في دمشق، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة.
كما أن التعاون في مجال الطاقة قد يكون حاضراً أيضاً، سواء من خلال مشاريع الغاز أو عبر ممرات النقل والتجارة التي يمكن أن تربط شرق أوروبا بالشرق الأوسط.

الدور التركي في خلفية المشهد
اللافت أن زيارة زيلينسكي إلى دمشق جاءت بعد محطة مهمة في أنقرة ، حيث التقى بالرئيس التركي رجب الطيب أردوغان
و تركيا تلعب دوراً محورياً في العديد من الملفات الإقليمية، سواء في الحرب الروسية الأوكرانية أو في الملف السوري، وهو ما يجعل أنقرة لاعباً أساسياً في أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية جديدة في المنطقة.

ومن هنا، يرى مراقبون أن التحركات الدبلوماسية الأخيرة قد تكون جزءاً من مسار إقليمي أوسع يسعى إلى بناء شبكة علاقات جديدة بين عدة عواصم في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.

ماذا تريد سوريا من هذه العلاقة؟
بالنسبة لسوريا، فإن هذه الزيارة تمثل فرصة لتعزيز حضورها السياسي على الساحة الدولية، بعد سنوات طويلة من العزلة والصراعات الداخلية.
فدمشق تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها ثقلاً استراتيجياً في معادلات المنطقة، كما أن انفتاحها على دول جديدة قد يساهم في توسيع خياراتها السياسية والاقتصادية.

وفي ظل عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، تحاول سوريا إعادة التموضع كلاعب إقليمي قادر على إدارة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.
كيف تنظر روسيا إلى الزيارة؟
يبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل موسكو مع زيارة زيلينسكي إلى دمشق؟
تعتبر روسيا اللاعب الدولي الأكثر تأثيراً في الملف السوري منذ تدخلها العسكري عام 2015، كما تمتلك قواعد عسكرية ونفوذاً سياسياً واسعاً داخل البلاد.
لذلك، من الطبيعي أن تنظر موسكو إلى هذه الزيارة بحذر شديد.
فمن جهة، قد ترى روسيا في التقارب بين دمشق وكييف محاولة لفتح قنوات تواصل جديدة في منطقة تعتبر تقليدياً ضمن دائرة نفوذها.
لكن من جهة أخرى، تدرك موسكو أن دمشق تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية دون التخلي عن تحالفاتها الاستراتيجية القائمة.
وبالتالي، قد تتعامل روسيا مع هذه الخطوة بقدر من البراغماتية، طالما أنها لا تمس بشكل مباشر مصالحها العسكرية والسياسية في سوريا.

 

رسائل سياسية متعددة
زيارة زيلينسكي إلى دمشق تحمل عدة رسائل في آن واحد.
فهي رسالة إلى موسكو بأن كييف قادرة على التحرك دبلوماسياً حتى في مناطق النفوذ الروسي.
كما أنها رسالة إلى الغرب مفادها أن أوكرانيا لا تكتفي بالدعم الأوروبي والأمريكي، بل تسعى إلى بناء شبكة علاقات أوسع على مستوى العالم.

أما بالنسبة لسوريا، فالرسالة الأساسية هي أن البلاد تحاول العودة إلى مركز اللعبة السياسية في الشرق الأوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية.

في عالم يتغير بسرعة، لم تعد التحالفات السياسية ثابتة كما كانت في السابق، بل أصبحت قائمة على المصالح المتغيرة والتوازنات الدقيقة.
وزيارة زيلينسكي إلى دمشق قد تكون مجرد خطوة أولى في مسار طويل من إعادة تشكيل العلاقات الدولية في المنطقة.
فبين حرب أوكرانيا وتعقيدات الشرق الأوسط، تبدو الساحة السياسية وكأنها لوحة شطرنج كبيرة تتحرك عليها الدول بحذر شديد.
وفي قلب هذه اللعبة المعقدة، تعود سوريا تدريجياً إلى موقعها كعقدة جيوسياسية مهمة، تمر عبرها الكثير من الطرق والرسائل والصفقات السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى