الجزيرة السورية على عتبة مرحلة جديدة: عودة الدولة، ترحيب شعبي، ورسائل وحدة وطنية

تشهد الجزيرة السورية تحولاً ميدانياً وسياسياً لافتاً مع دخول الجيش العربي السوري وقوى الأمن إلى عدد من المدن والمناطق، في مقدمتها الطبقة وريف الرقة ودير الزور الشرقي، وسط ترحيب شعبي واسع. هذا التطور يعكس نهاية مرحلة من الفوضى والانقسام، وبداية مسار جديد عنوانه استعادة الأمن، وبسط سلطة الدولة، وتعزيز الوحدة الوطنية بكل مكوناتها.
دخلت وحدات من الجيش العربي السوري إلى مناطق الجزيرة السورية بعد سنوات من الغياب، لتُقابل بمشاهد فرح شعبي عبّر عنها الأهالي بالهتافات والزغاريد، في مشهد أعاد الأمل بعودة الاستقرار وتحسن الواقع المعيشي. وقد اعتبر كثيرون أن هذه اللحظة تمثل نهاية انتظار طويل وبزوغ فجر جديد للمنطقة التي عانت من سيطرة تنظيمات متعددة على رأسها ميليشيا “قسد” وما رافقها من تدهور أمني وخدمي.
سياسياً، جاءت التصريحات الرسمية لتؤكد ثوابت الدولة السورية، حيث شدد السيد الرئيس أحمد الشرع على أن سوريا لن تتنازل عن أي جزء من أراضيها، موجهاً في الوقت ذاته رسائل طمأنة إلى المكون الكردي، دعا فيها إلى عدم الانجرار وراء الفتن، وأكد أن حماية جميع السوريين دون تمييز هي مسؤولية الدولة. كما أُعلن عن مرسوم خاص يضمن حقوق وخصوصيات الأكراد بنص القانون، ويفتح الباب أمام العودة الآمنة والمشاركة الكاملة في بناء الوطن.
من جهته، دعا وزير الدفاع اللواء المهندس مرهف أبو قصرة عناصر الجيش إلى الالتزام التام بالانضباط وحماية المدنيين وصون الممتلكات، مؤكدًا أن الشعب السوري بكل أطيافه أمانة في أعناقهم. هذه التوجيهات عكست حرص القيادة على ترسيخ صورة الجيش كضامن للأمن والوحدة، لا كطرف في النزاع.
ميدانياً، شكّل فقدان ميليشيا “قسد” السيطرة على حقول النفط والموارد الحيوية تحولاً بالغ الأهمية، إذ كانت هذه الموارد تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وأشار الأهالي إلى أن إدارة ميليشيا “قسد” للمنطقة خلال السنوات السابقة اتسمت بسوء الإدارة والفساد، ما أدى إلى تراجع الثقة الشعبية، وفسح المجال لالتفاف الحاضنة الاجتماعية حول الدولة السورية. وقد تجلّى ذلك في مبادرات شبابية، مثل إزالة الشعارات السابقة من المؤسسات والمدارس في الشدادي، في تعبير رمزي عن طي صفحة قديمة.
اجتماعياً، برز دور العشائر السورية التي أكدت في بياناتها واجتماعاتها أن العرب والكرد وسائر المكونات جسد واحد في هذا الوطن، معلنة دعمها للمرسوم الرئاسي الضامن لحقوق المكون الكردي، ومشددة على وحدة الأراضي السورية. وفي الرقة والطبقة، عبّر المواطنون عن تطلعاتهم لمرحلة إعادة الإعمار وتحسين الخدمات، مؤكدين أن “البلد بدها شغل كتير” بعد سنوات من المعاناة.
وفي موازاة هذه التطورات، لا تزال إدلب تقدم الشهداء، في مشهد يختصر كلفة الدفاع عن وحدة سوريا. فقد بقيت إدلب، رغم التحديات، رمزًا للصمود والتضحية، وحاضرة في الوجدان الوطني كجزء لا يتجزأ من معادلة الاستقرار والسيادة.
ما تشهده الجزيرة السورية اليوم ليس مجرد تغيير ميداني، بل محطة مفصلية في مسار استعادة الدولة لدورها وسيادتها. بين الترحيب الشعبي، والرسائل السياسية الجامعة، والتأكيد على حقوق جميع المكونات، تتبلور ملامح مرحلة جديدة تقوم على الأمن والوحدة والشراكة الوطنية. إنها خطوة نحو سلام طال انتظاره، تُراهن فيها الدولة والمجتمع معًا على أن تكون سوريا، بكل أبنائها، وطناً واحداً لا يُكسر.


