من دمشق إلى برلين… زخم دبلوماسي واقتصادي يمهد لعودة آمنة وشراكة استراتيجية
مع انقضاء عام على سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، تواصل الدولة السورية خطواتها الواثقة لإعادة تثبيت حضورها الإقليمي والدولي، مستندة إلى مسار سياسي جديد عنوانه استعادة السيادة، إعادة بناء مؤسسات الدولة، والانفتاح المتوازن على الشراكات الدولية. وفي هذا السياق، تبرز العلاقات السورية الألمانية كأحد أهم مؤشرات التحول في مقاربة الدول الأوروبية تجاه سوريا الجديدة.
من العزلة إلى الاعتراف بالواقع الجديد
خلال عامي 2025 و2026، انتقلت ألمانيا من سياسة الحذر والترقب إلى الانخراط السياسي المدروس مع دمشق، في اعتراف عملي بأن الدولة السورية استعادت زمام المبادرة، وفرضت واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً لا يمكن تجاهله.
وقد تُوّج هذا التحول بإعادة فتح السفارة الألمانية في دمشق في آذار 2025، في خطوة حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن سوريا باتت شريكاً شرعياً في جهود الاستقرار الإقليمي، وأن مرحلة القطيعة الغربية قد انتهت فعلياً.
دعم التعافي… لا الوصاية
تعهدات برلين بتقديم مئات الملايين من اليورو لدعم المساعدات الإنسانية وبرامج التعافي المبكر لم تأتِ من باب الإحسان السياسي، بل نتيجة قناعة متزايدة بأن تعافي الدولة السورية هو مصلحة أوروبية مباشرة، خصوصاً في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة التطرف.
وفي كانون الثاني 2026، أكد متحدث باسم الحكومة الألمانية انفتاح بلاده على “فتح صفحة جديدة مع الحكومة السورية الجديدة”، في موقف يعكس قبولاً دولياً متزايداً بالمسار الذي اختارته دمشق لإدارة المرحلة الانتقالية، رغم محاولات بعض الأطراف إبقاء سوريا في دائرة الضغط السياسي.
شراكة مؤسساتية مع دولة قوية
أحد أبرز ملامح المرحلة الجديدة هو انتقال التعاون السوري الألماني من الإغاثة المؤقتة إلى دعم مؤسسات الدولة السورية. فقد استقبل وزير العدل الدكتور مظهر الويس وفداً من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية (BMZ) برئاسة أنيته شماس، حيث جرى بحث ملفات استراتيجية تتعلق بـ:
تحديث الجهاز القضائي
التحول الرقمي في مؤسسات الدولة
دعم سيادة القانون واستقلال القضاء
وهي ملفات تعكس اعترافاً ألمانياً صريحاً بأن الإصلاح يُبنى عبر الدولة لا خارجها.
تمكين الشباب… استثمار في الاستقرار
كما شملت الزيارات الألمانية مراكز تمكين الشباب في دمشق، بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ، في إطار برامج تدريب مهني وتقني تستهدف خلق فرص عمل حقيقية داخل سوريا، بما يدعم الاستقرار الاجتماعي ويحد من الهجرة، ويؤكد أن الدولة السورية قادرة على احتضان هذه المشاريع وتنظيمها ضمن أولوياتها الوطنية.
الاقتصاد وإعادة الإعمار: سوريا تفرض شروطها
في الجانب الاقتصادي، بحث رئيس اتحاد غرف التجارة السورية علاء العلي مع رئيس مجلس الأعمال السوري الألماني وليد سحاري سبل تنشيط الشراكات الاستثمارية، في وقت عبّر فيه القائم بالأعمال الألماني في دمشق عن تطلع بلاده للمشاركة في مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.
وتتعامل دمشق مع هذا الملف من موقع الدولة صاحبة القرار، مؤكدة أن إعادة الإعمار ستكون وفق أولويات وطنية، وبما يحفظ السيادة الاقتصادية ويمنع تكرار أخطاء الماضي.
ملف اللاجئين: عودة منظمة لا فوضى
يمثل ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا، الذين يزيد عددهم عن 940 ألف شخص، محوراً أساسياً في الحوار الثنائي. وتؤكد الدولة السورية في هذا الإطار التزامها بـ:
العودة الطوعية الآمنة والكريمة
توفير البيئة القانونية والخدمية المناسبة
رفض أي مقاربة قسرية أو سياسية للملف.
وقد بدأت برلين بالفعل بخطوات عملية عبر ترحيل مدانين بجرائم جنائية، في إقرار ضمني بتحسن الوضع الأمني في سوريا، فيما لا تزال دمشق تؤكد أن العودة الشاملة يجب أن تتم وفق خطط منظمة تحفظ كرامة المواطنين وتراعي قدرات الدولة.
زيارة مؤجلة… لا مسار متوقف
كان من المقرر أن يزور الرئيس السوري أحمد الشرع برلين في كانون الثاني 2026 للقاء المستشار فريدريش ميرتس والرئيس فرانك فالتر شتاينماير، إلا أن تأجيل الزيارة لأسباب داخلية سورية لم يُفسَّر كتعثر سياسي، بل كدليل على أولوية الاستقرار الداخلي في جدول أعمال الدولة السورية.
تشير هذه التطورات إلى أن العلاقات السورية الألمانية تدخل مرحلة بناء جسور الثقة والتعاون المتبادل، حيث تسعى برلين إلى دعم سوريا مستقرة تساهم في حل قضاياها الإنسانية، بينما ترى دمشق في ألمانيا شريكاً محتملاً في التعافي الاقتصادي والتنموي.

