مليارات ضائعة تعود… الفساد يُحاصر لأول مرة بلا خطوط حمراء

شكّل عام 2025 نقطة تحول نوعية في مسيرة الدولة السورية نحو تفكيك منظومة الفساد المتجذرة التي ورثتها من النظام البائد، حيث انتقلت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش من الرقابة التقليدية اللاحقة إلى نهج استباقي هجومي يستهدف جذور الفساد البنيوي وشبكات نهب المال العام، في إطار استراتيجية وطنية لا رجعة فيها لاستعادة الحقوق العامة وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن.
وبحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الهيئة حتى نهاية تشرين الثاني 2025، أنجزت الأجهزة الرقابية 1198 قضية رقابية شملت مخالفات مالية وإدارية جسيمة، أُحيلت منها 186 قضية إلى القضاء المختص، فيما جرى إحالة 1203 أشخاص متورطين إلى الجهات القضائية، إضافة إلى فرض 1744 عقوبة مسلكية عبر مجالس التأديب.
وتمكنت الهيئة من تحصيل 89,764,853,295 ليرة سورية (نحو 90 مليار ليرة) وإيداعها مباشرة في خزينة الدولة، من إجمالي مبالغ مثبتة قيد التحصيل تقارب 339 مليار ليرة سورية، فيما يستمر العمل لاسترداد المبالغ المتبقية كجزء من مرحلة أولى في مسار طويل لاستعادة الأموال المنهوبة.
وفي النصف الأول من العام، كشفت التحقيقات عن نحو 1400 قضية فساد مالي وإداري، أُحيل منها قرابة 200 قضية إلى القضاء، مع تثبيت مبالغ مالية تقارب 350 مليار ليرة سورية قيد التحصيل، ونجاح في استرداد أكثر من 100 مليار ليرة أُودعت في الخزينة العامة، ما يعكس تحولاً من الإجراءات الشكلية إلى التنفيذ الفعلي والحاسم.
وكشفت التحقيقات عن أنماط فساد منظم شملت تفصيل العقود لمصالح خاصة، التلاعب بالأسعار والمواصفات، هدراً ممنهجاً في المستودعات، وغياباً متعمداً للرقابة الداخلية، وطالت مؤسسات كبرى كانت تُعتبر محصنة سابقاً، من أبرزها:
المؤسسة العامة للطباعة: تجاوزات مالية بأكثر من مليار ليرة سورية.
المؤسسة السورية للحبوب: مخالفات تجاوزت 9 مليارات و250 مليون ليرة، مع ثبوت تورط وزير سابق من حقبة النظام البائد.
المؤسسة العامة للخطوط الحديدية: خسائر فاقت 19 مليار ليرة نتيجة عقود مشبوهة وإدارة غير رشيدة.
الشركة السورية للنفط: فساد مالي بقيمة 6 مليارات ليرة سورية (بالعملة القديمة) ضمن عقود توريد مجموعات توليد كهربائية، شمل تلاعباً بالأسعار والمواصفات الفنية، وإهمالاً من مسؤولين أدى إلى أضرار مالية تقدر بنحو 520 ألف دولار أمريكي.
كما شملت الجهود مخالفات في عقود توريد نفط وغاز بعشرات المليارات، وعقود توريد آليات بقيمة خسائر تصل إلى 7 ملايين دولار.
وأكد المهندس عامر العلي، رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، أن مكافحة الفساد “خيار استراتيجي لا رجعة فيه”، وأساس لإعادة بناء الدولة على قواعد الحكم الرشيد وسيادة القانون، مشيراً إلى الانتقال نحو رقابة استباقية قائمة على تحليل المخاطر، اعتماد التحول الرقمي لتقليص التدخل البشري، وإحداث المعهد التخصصي للرقابة والتفتيش لتأهيل كوادر قادرة على تفكيك الفساد المعقد.
وتزامنت هذه الجهود مع مشاركة سوريا بصفة مراقب في الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الدول الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (COSP11) في الدوحة خلال كانون الأول 2025، في خطوة تعكس التوجه الجاد نحو المصادقة على الاتفاقية، تعزيز التعاون الدولي لاسترداد الأصول المنهوبة، وتوظيفها في جهود التعافي وإعادة الإعمار.
وشددت الهيئة على أن نجاح هذه المعركة يتطلب شراكة فعلية مع المواطنين، داعية إلى الإبلاغ عن المخالفات مع ضمان الحماية القانونية للمبلغين، فيما تؤكد الوقائع أن عام 2025 شهد كسر الحلقة المغلقة للفساد، والانتقال من التستّر إلى المكاشفة والمحاسبة، في معركة حاسمة لإعادة بناء الدولة السورية على أسس النزاهة والشفافية.
