بين الحقيقة والتراشق الإعلامي.. من انتصر في الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران؟
بقلم: ياسر القالش
إعلامي وباحث سياسي
اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 آذار/ مارس، في تصعيدٍ عسكري غير مسبوق، قبل أن تتوقف حدّتها يوم الأربعاء 8 نيسان/ أبريل 2026، مع الإعلان عن اتفاقٍ مؤقت لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، سيتخلله فتح مضيق هرمز كبادرة حسن نية، في خطوة تعكس تهدئة حذرة لا تعني نهاية الحرب، إذ تبقى احتمالات العودة إلى المواجهة قائمة.
على المستوى العسكري البحت، حققت الولايات المتحدة إنجازًا نوعيًا غير مسبوق، تمثل في تنفيذ ما يشبه ضربة قطع الرأس للقيادة الإيرانية، فقد أدت الضربات إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى جانب تصفية عدد كبير من كبار صناع القرار السياسي والعسكري، من بينهم علي لاريجاني، وإسماعيل خطيب، وعلي شمخاني، إضافة إلى قادة الحرس الثوري وعلى رأسهم محمد باكبور، ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، وقائد الباسيج غلام رضا سليماني، ورئيس استخبارات الحرس مجيد خادمي.
وهذه الضربة لم تكن رمزية، بل استهدفت العمود الفقري لمنظومة الحكم في إيران، بالتوازي مع تدمير أجزاء واسعة من البرنامج النووي، وضرب القدرات البحرية والجوية، ما أدى إلى شلل استراتيجي سيحتاج سنوات لإعادة ترميمه.
لكن، ورغم هذا التفوق العسكري الساحق، أخفقت واشنطن في تحقيق هدفها المعلن، وهو إسقاط النظام، فإيران، رغم فقدان رأس هرم السلطة وعدد كبير من قياداتها، تمكنت من إعادة إنتاج قيادة بديلة بسرعة، مستفيدة من بنية مؤسساتية متماسكة وعقيدة سياسية قائمة على الصمود.
في المقابل، تلقت إيران واحدة من أقسى الضربات في تاريخها الحديث، حيث فقدت قياداتها العسكرية والسياسية، وتعرضت بنيتها الدفاعية للتدمير، وتراجع برنامجها النووي بشكل كبير، إلا أنها، في المقابل، نجحت في تحقيق هدف وجودي وهو بقاء النظام قائمًا.
فالنظام لم يسقط، والدولة لم تنهَر، بل حافظت طهران على تماسكها الداخلي، واستمرت في فرض سيطرتها على مضيق هرمز، حتى وإن فتحته مؤقتًا ضمن اتفاق التهدئة، ما يؤكد أنها لا تزال تملك أوراق قوة استراتيجية.
في المحصلة، يمكن القول إن الولايات المتحدة انتصرت عسكريًا، لكنها لم تنتصر سياسيًا، بينما خسرت إيران عسكريًا بشكل كبير، لكنها انتصرت في معركة البقاء، وبين هذين الواقعين، تبقى الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة، وقد يكون وقف إطلاق النار الحالي مجرد استراحة قبل جولة جديدة أكثر تعقيدًا.



