
سلمت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، المشكلة بقرار وزارة العدل رقم 1287 لعام 2025، تقريرها النهائي إلى معالي وزير العدل الدكتور “مظهر الويس”. وكشفت اللجنة خلال مؤتمر صحفي عن حصيلة الضحايا والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها المحافظة في أحداث تموز 2025، مع توصيات صارمة بمحاسبة المتورطين وتعزيز سيادة القانون.
وكشف رئيس اللجنة القاضي حاتم النعسان أن الأحداث أسفرت عن سقوط 1760 ضحية من جميع الأطراف، و2188 مصاباً فيما وثقت اللجنة 60 مفقوداً من عشائر السويداء و30 مفقوداً من وزارة الدفاع، مشيراً إلى أن اللجنة لم تتمكن من حصر العدد النهائي للمفقودين لعدم ورود معلومات كافية من جميع الجهات، ولمنعها من دخول مدينة السويداء.
وأوضحت اللجنة أن الفترة الممتدة من 11 إلى 20 تموز 2025 شهدت تصاعداً في موجات العنف بين أبناء المنطقة من البدو والدروز، شملت مصادرة الممتلكات، وحالات خطف، واعتداءات وانتهاكات تورطت فيها مختلف الأطراف. وأسفرت هذه الأحداث عن نزوح 27404 أشخاص من بدو السويداء، و34845 شخصاً من دروز السويداء والمسيحيين، توزعوا على مراكز إيواء في درعا وريف دمشق وجرمانا وقرى جبل الشيخ.
وبحسب التقرير، فإن الأحداث تخللتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان شملت القتل الواقع على أكثر من شخص، والقتل القصد، والسلب المسلح للممتلكات، وتخريب البيوت والمحال التجارية وحرقها، والتعذيب والشتم بعبارات طائفية، وإثارة النزعات الطائفية، وذلك بالمخالفة لقانون العقوبات السوري وقانون تجريم التعذيب.
وأشارت اللجنة إلى أن ما لا يقل عن 36 قرية في ريف السويداء تعرضت للحرق أو التخريب مع استهداف مواقع دينية من قبل مجموعات مسلحة، بهدف السرقة والنهب والانتقام، ما أدى إلى تهجير عدد كبير من سكانها من أبناء المجتمع الدرزي. كما وثقت اللجنة هجمات انتقامية استهدفت التجمعات السكانية للبدو داخل مدينة السويداء ومحيطها بالحرق والتدمير والنهب من قبل مجموعات مسلحة درزية.
وفيما يتعلق بمسؤولية القوات الحكومية، أوضحت اللجنة أن قوات الجيش والأمن العام حاولت منع قوات العشائر من الوصول إلى السويداء، لكنها لم تفلح في ذلك لكثرة أعدادهم، وتراخي بعض الأفراد بعد مشاهدة الانتهاكات. كما لفتت إلى أن الانتشار الواسع للسلاح ووجود مجموعات مسلحة متعددة خارج نطاق السيطرة المؤسسية الكاملة للدولة أسهم في زيادة احتمالية وقوع الانتهاكات ضد المدنيين.
وشدد التقرير على وجود أدلة تثبت تورط أفراد من القوات الحكومية الأمنية والعسكرية، إضافة إلى مجموعات مسلحة غير نظامية وعناصر من تنظيم داعش الإرهابي، وأشخاص تصرفوا بشكل فردي أو ضمن مجموعات محلية. وأحالت اللجنة جميع المعلومات المتعلقة بالمشتبه بهم إلى النائب العام للجمهورية لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وأكد رئيس اللجنة القاضي حاتم النعسان أن الانتهاكات كانت فردية ولم تكن ممنهجة، وفق ما أكدته إفادات الناجين للجنة.
وقدمت اللجنة حزمة توصيات شملت إحالة جميع الأفراد المتورطين إلى القضاء المختص، وضمان محاكمات عادلة، وتعزيز قدرات الجهات القضائية للتحقيق في الجرائم الخطيرة، والإسراع في تنفيذ إصلاحات تشريعية ومؤسسية لتعزيز استقلال القضاء. كما دعت إلى تحديد مواقع الدفن الجماعي المحتملة وحمايتها، وإجراء التحقيقات الجنائية اللازمة وفق المعايير الدولية.
وشملت التوصيات أيضاً وضع خطة وطنية شاملة لجمع الأسلحة غير المرخصة وحصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الشبكات الإجرامية المتورطة في أعمال الخطف والاتجار بالمخدرات، واتخاذ تدابير فعالة لمنع خطاب الكراهية والتحريض على العنف.
وفي الشأن الخارجي، أدانت اللجنة جرائم العدوان الإسرائيلي المرتكبة بحق الشعب السوري والأراضي السورية، ودعت جميع الأطراف الخارجية إلى احترام سيادة الجمهورية العربية السورية والامتناع عن أي تدخلات قد تؤدي إلى تصعيد التوترات.
وأكدت اللجنة أن تنفيذ توصياتها يتطلب التزاماً مستمراً من مؤسسات الدولة، ومشاركة فاعلة من المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، مع دعم مناسب من المجتمع الدولي، بما يسهم في تعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون.
أوضحت اللجنة أن الإحالة إلى القضاء ليست من اختصاصها المباشر، إلا أنه نظراً لحساسية الأحداث الجارية، تم الاتفاق مع وزير العدل على تفعيل مساءلة فورية. وأسفر ذلك عن توقيف 23 عنصراً من قوى الأمن والجيش ممن تورطوا بارتكاب انتهاكات، وهم حالياً يخضعون لمحاكمة علنية.
وتؤكد وزارة العدل أنها إذ تتسلم التقرير النهائي للجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، فإنها ستباشر فوراً دراسة مضامينه واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة لمحاسبة كل من تثبت إدانته، ورفع النتائج إلى رئيس الجمهورية.


